منتدى مالك بن نبي فيلسوف الحضارة المعاصر

مالك بن نبي مفكر جزائري عالمي معاصر تمكن بدافع حماسه الإيماني العميق وبفضل تمكنه من المنهج العلمي المعاصر من تشخثص مشكلات الحضارة الإسلامية خاصة ووضع الحلول المناسبة لها ..
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 ندوة مالك بن نبي الالكترونية (02)

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبد المالك حمروش
مدير عام
مدير عام
avatar

عدد المساهمات : 359
تاريخ التسجيل : 14/04/2013

مُساهمةموضوع: ندوة مالك بن نبي الالكترونية (02)   الخميس نوفمبر 28, 2013 9:33 am



ندوة مالك بن نبي الالكترونية (02)


مالك بن نبي

(تابع)


القابلية للاستعمار عند مالك بن نبي، قراءة جديدة


نذير طيار

جاء في أحد النصوص الأساسية لحزب جبهة التحرير عام 1964: «إن الآراء القائلة بالطابع الضروري للاستدمار، وقابلية الخضوع له لدى الشعب الجزائري، تشكل تضليلا وقحا..»[1] وكان المقصود بهذه العبارة هو مالك بن نبي ونظريته عن”القابلية للاستدمار”. هل يعقل أنْ يصل سوء الفهم إلى هذا الحد؟ هل كان ابن نبي يرى أن الاستدمار ضروري لإدخال الشعوب المتخلفة والهمجية في الحضارة، كما بقول جول فيري السياسي الاستدماري الفرنسي مثلا؟.
وهذا الرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بلة، ورغم سعة ثقافته وفكره، يقول[2]:«أنا أرفض استعمال نظرية القابلية للاستدمار باعتبارها تخدم النظام الاستدماري الغربي في الأساس، وتحمل العنف في طياتها، نحن في الجزائر عانينا من الاستدمار، ولم نقبل ثقافته وليس لدينا قابلية للاستدمار»
وواضح أيضا أن ذلك النص أعلاه من هذا المعين، إذا دققنا في تاريخ صدور النص.
إن مكمن الاختلاف الفكري بن الرجلين، حول هذه النقطة، في اختلاف اللحظة التي يتحدث عنها كل واحد منهما. فالرئيس بن بلة يتحدث عن لحظة المقاومة التي قادت إلى النجاح في التحرير، أما شاهد القرن فيتحدث عن لحظة الاحتلال الفرنسي للجزائر.
إن الوعي بضرورة التخلص من المستعمر، لا يكفي لحصول الاستقلال والتحرر. إذ يجب النجاح في تحويل ذلك الوعي الفكري إلى خطة عملية مدروسة، تستوعب قدرات المستدمِر والوسائل المتاحة لدى المستعمَر.
ويعتقد أحد تلاميذ شاهد القرن أن كتاب”شروط النهضة” هو الذي سبَّب له مشاكل مع الحركة الوطنية لأنه انتقد فيه بعض مواقفها، وهي التيارات ذاتها التي قادت البلاد أثناء الاستقلال، وفي ذلك نوع من الانتقام من الرجل[3].
إنَّ كثيرا من الساسة في عالمنا العربي، يريدون مثقفا تابعا، غير مستقل في تحليلاته السياسية، يوافق على كل شيء ولا ينتقد، ومالك بن نبي الذي انخرط في مشروع الإصلاح والنهضة، لم يكن ليسكت عن قول كلمة الحق في مواطن كثيرة.
ولكن انتقاد بعض مواقف الحركة الوطنية ليس سببا مقنعا للحصار المضروب، فقد انتقد مالك بن نبي جمعية العلماء، عندما سلَّمت القيادة في مؤتمر 1936، إلى من أسماهم بـ”الزويعمات”، انطلاقا من قناعته بضرورة تصدر العلماء لكل حركة تغييرية، ولكن رجال الجمعية لم يناصبوه العداء أبدا، ولم يسيئوا فهم نظريته عن القابلية للاستدمار، وهذا الدكتور عبد الرحمان شيبان يقول :«فشلت الثورات التي سبقت الثورة التحريرية الكبرى في 1954، في تحقيق النصر الحاسم لوجود ظروف عالمية مناهضة للتحرك الاستقلالي، ولكن الخلل الأكبر كان ذاتيا داخليا، تمثل في تدهور البنية الاجتماعية، وهو ما أسماه بن نبي بـ”القابلية للاستدمار”»[4]
لبْسٌ آخر، نحب دفعه عن ذهن القارئ، وهو نفي الشيخ يوسف القرضاوي لفكرة القابلية للاستدمار عن الإبداع البنَّابي، فقد سبقه إليها –على حد تعبيره- الشيخ الحكيم الداعية محمد الغزالي في أحد كتبه المنشورة مع بداية الخمسينات. يقول:
«عندما كنت في الجزائر وبعض الإخوة من تلاميذ الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله يتكلمون عن فكرة الأستاذ مالك عن القابلية للاستدمار، قلت لهم: إن الشيخ الغزالي سبق إلى هذه الفكرة، قالوا: كيف وأين؟ قلت: في كتابه “الإسلام والأوضاع الاقتصادية” قال: إن الأمم تكون عندها استعدادات للفساد والاختلال، ويؤدي هذا الاختلال إلى الاحتلال، واستدل على ذلك بآيات سورة الإسراء عن بني إسرائيل حينما أفسدوا في الأرض أدى إلى إصابتهم بالاستدمار والطغيان استعمرهم البابليون والفرس والرومان.. الخ»[5]. والحقيقة أن ما ورد عند شيخنا الغزالي لا يرقى إلى مستوى النظرية المفصَّلة في كتب مالك. ولن نبالغ إذا قلنا إن ضرورة انطلاق عملية التغيير من الأنفس، هي فكرة قرآنية صاغها كل مؤلِّف وفق أسلوبه الخاص، ومنهجيته في التفكير، ولكن الطرح الجديد اصطلاحا وفكرة وعمقا، لم ينطلق إلا مع مالك بن نبي.
ويقول الشيخ يوسف القرضاوي أيضا: «أعتقد أن حالة الضعف والعجز والخلل والتخلف هذه هي التي سماها مالك بن نبي (القابلية للاستدمار) وإن كان في النفس من هذه التسمية شيء؛ لأنها توحي بقبول الاستدمار والرضا عنه، والتهيؤ له، ولا أحسب هذا مقبولا ولا صحيحا بحال، وإنما هو الفساد والاختلال الذي يمهد للغزو والاحتلال»[6].
وهذا يكشف عدم التوغل في فهم مضمون الفكرة عند مالك بن نبي. ولا يعقل أن ننسب فكرة القابلية للاستدمار إلى الدكتور علي شريعتي، مثلا، لأنه قال بضرورة تحديد أي ذات نعود إليها، عند تقريرنا العودة إلى الذات، وهي الفكرة التي تشترك مع أطروحة القابلية للاستدمار في تفاصيل كثيرة. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الفيلسوف محمد إقبال وغيره.
مفهوم القابلية للاستدمار
علينا أن لا ننشغل كثيرا بالاصطلاح، ولنتوغل في مضمونه، كما أراده صاحبه.
لن نعيد هنا، النقاشات الساخنة المعاصرة، حول أيِّ المصطلحات أنسب للتداول، استحمار أم استكبار أم استدمار أم استخراب أم استعمار..إلخ. فالقابلية للاستدمار، عند مالك بن نبي، مضمون دلالي قبل أن تكون شكلا لفظيا.
ولكنَّ ما قد يثير الشك لدى البعض، هو عبارة لمالك بن نبي يقول فيها :«قد يكون الاستدمار أثرا سعيدا من آثار تلك القابلية، لأنه يقلب حينئد التطور الاجتماعي الذي أوجد المخلوق القابل، فهذا المخلوق لا يدرك قابليته للاستدمار إلا إذا استعمِر، وعندئد يجد نفسه مضطرا لأن يتحرر من صفات أبناء المستعمَرات، بأن يصبح غير قابل للاستدمار. وبهذا نفهم الاستدمار باعتباره (ضرورة تاريخية)….»[7].
ومفهوم عبارة مالك بن نبي واضح جدا، فالقابل للاستدمار بحاجة إلى منبِّه يسمى الاستدمار كي يكتشف حالته المتردية.
وما يزيل اللبس هو قول مالك :«ليس معنى هذا أن المستدمِر يفد إلى المستدمَرات ليحرِّكها، وإنما يجيء ليشلَّها، كما يشل العنكبوت ضحية وقعت في شباكه، ولكنه في نهاية الأمر يغيِّر ظروف حياة المستعمَر من جذورها، فيساعده بذلك على تغيير نفسه….كون المسلم غير حائز جميع الوسائل التي يريدها لتنمية شخصيته، وتحقيق مواهبه: ذلك هو الاستدمار، وأما ألا يفكر المسلم في استخدام ما تحت يده من وسائل استخداما مؤثرا، وفي بذل أقصى الجهد ليرفع من مستوى حياته، حتى بالوسائل العارضة، وأما ألا يستخدم وقته في هذه السبيل، فيستسلم – على العكس- لخطة إفقاره، وتحويله كما مهملا، يكفل نجاح الفنية الاستدمارية: فتلك هي القابلية للاستدمار»[8].
فالضرورة التاريخية هنا، مقدَّرة بقدرها، محصورة في الزمان والمكان، «لأن التاريخ لم يسجل مطلقا استمرار الواقع الاستدماري، إذ أن قوى الإنسان الجوهرية تتغلب أخيرا على جميع ضروب التناقض».
لقد كان مالك منشغلا بالحركة التاريخية، وتحليله لها قاده إلى نتيجة فحواها، أن هذه الحركة لا تبدأ بالاستدمار، بل بالقابلية له، فهي التي تدعوه.
ومن يطالع بعض عبارات مالك بن نبي عن القابلية للاستدمار والأفكار الميتة المرتبطة بها، وعن الاستدمار والأفكار القاتلة (المميتة) الصادرة عنه، يكتشف شيئين مهمين:
1- توازنا منقطع النظير في تحليل الظاهرة الاستدمارية.
2- سبقا رائعا وعمليا لما يعرف اليوم بالبرمجة اللغوية العصبية. وكيفية استعمالها للتخلص من الأفكار الميتة. فقد تحدث في وقت مبكِّر عن ذُهان السهولة وذُهان الاستحالة…وقد قام هذا الأخير في الجزائر على قواعد ثلاثة، يحصرها مالك في الآتي:
- لسنا بقادرين على فعل شيء لأننا جاهلون.
- لسنا بقادرين على أداء هذا العمل لأننا فقراء.
- لسنا قادرين على تصور هذا الأمر لأن الاستدمار في بلادنا.
يقوم مالك بن نبي لاحقا بمواجهة هذه الاستحالات المزعومة، بعبارات هدفها البرمجة الإيجابية للإنسان المستعمَر، فنحن جاهلون - هذا واقع – وهو أثر من آثار الاستدمار. ولكن ماذا تفعل الدوائر المثقفة في بلادنا..؟ ما تفعل بثقافتها وهي السلاح الأساسي العاجل ضد الأمية العامة..؟… وأسطورة الفقر ليست بأقل خطرا (من أسطورة الجهل)، لقد زاد أغنياء المسلمين عن فقرائهم في العطل برغم ما يملكون من ثروات…لا يهتمون بتبني طفل… ولا رعاية عمل ذي فائدة عامة…أو تشجيع للثقافة إنه التسابق إلى الإسراف المخل…وأسطورة الاستدمار وعلتها ذاتية هي القابلية للاستدمار[9].
وعندما يقول مالك بن نبي :«للفرد بصفته عاملا أوليا للحضارة قيمتان: الأولى طبيعية، والثانية اجتماعية. أما القيمة الأولى فهي موجودة في كل فرد من الأفراد في تكوينه البيولوجي، وتتمثل في استعداده الفطري لاستعمال عبقريته وترابه ووقته. وإذا نظرنا إلى المسلم الجزائري مثلا من هذه الزاوية، فإننا نراه مزوَّدا من ذلك بأطيب زاد، فإن التاريخ يشهد بكفاءته وعبقريته في هذا الشأن، إذ أنه سطَّر من مظاهر هذه العبقرية كثيرا، ما بين عهد القديس أوغستين البوني إلى عهد ابن خلدون»، فهو يذكِّرنا بأحد الافتراضات الأولية للبرمجة اللغوية العصبية والقائل: “«يوجد عند جميع البشر في تاريخهم الماضي كافة المصادر التي يحتاجونها لإحداث تغييرات إيجابية في حياتهم»[10]، والأهم من كل هذا أن مالك يتحدث عن مشكلة حضارية تخص أمة بأكملها، وليس عن مشكلة نفسية فردية فحسب. وعندما يتحدث مالك بن نبي عن الأفكار الميتة وضرورة القراءة الجيدة للمشكلات، هو يذكِّرنا بالمبدأ الأول للبرمجة اللغوية والعصبية والقائل:«الخريطة ليست المنطقة»[11]
(The map is not the territory)
والذي يعني أن الإدراك يخالف الواقع أحيانا، وإذا أردنا تغيير حياتنا علينا أن نغيِّر إدراكنا لها. فالاستدمار نتيجة وليس سببا، والحضارة بناء وليست تكديسا، والثقافة قيمة أخلاقية مجسَّدة وليست فلكلورا ومعلومات فحسب، والدين مركَّب للحضارة وليس عدوا لها…إلخ.
لقد سعى مالك بن نبي إلى تعديل أساليب التفكير في المشكلات، وتغيير طرق التفسير للوقائع، فهناك تفكير سلبي قاتل مميت، وهناك تفكير إيجابي محرِّك فاعل. وهذا ما يمثل الطريقة المثلى، المعتمدة حديثا لتحقيق الصحة النفسية الفردية، والنهضة الحضارية الجماعية.
الاستدمار في نفوسنا
خلال محاضرته القيمة التي ألقاها في إطار أشغال ملتقى “الإسلام والتقدم التكنولوجي الحديث” المنعقد في بداية العام 1990 بقسنطينة، استمعت إلى د. عبد السلام الهراس من المغرب، وهو أحد الأصدقاء المقربين من المفكر مالك بن نبي، وهو يسرد أمورا كثيرة بالغة الأهمية، تتعلق بشخصية وأعمال مالك بن نبي، قبل وبعد طرد فلول الاستدمار الصليبي من الجزائر، كما أثار قضايا أخرى نجهلها نحن الجزائريين، ويمكننا أن نتخذها دليلا قويا للرد على بعض الأطروحات الفكرية الحديثة، التي ترى مالك بن نبي مصابا بمرض الشك، إلى الحد الذي جعله يضع علامة استفهام على أصدقائه وأقرب الناس إليه، بل إن هذا الشك – كما يقول أصحاب هذه الأطروحات – انعكس سلبا على كل نتائجه الفكرية، التي أعطت للاستدمار حجما أكثر من حجمه الحقيقي، ولم تكتف بذلك، بل جعلت له موقعا استراتيجيا في نفوسنا، أطلقت عليه هذه النتاجات الفكرية مصطلح” القابلية للاستدمار”.
ومن الأمور التي تحدث عنها - د.عبد السلام الهراس– مقالة يصفها بـ “الرائعة” كان قد قرأها في سنة 1956م، بمجلة “روز اليوسف” المصرية، وبقلم الأديب – إحسان عبد القدوس – تحت عنوان ” الاستدمار في نفوسنا” أفاض صاحبها في الحديث عن لقاء جمعه بكاتب جزائري مجهول – كما يقول عنه – لم يعره أدنى اهتمام في البدء، ولكنه لم يلبث أن تملَّكه العجب والحيرة من شدة قوة أفكار هذا الكاتب المجهول، وعبَّر عن حالته بصدق قائلا: “وغاص الرجل في الأعماق وتركني أسبح على السطح”، وبعد اللقاء مباشرة انطلق الأديب المصري يسأل عن هذا الكاتب في أوساط الطلبة الجزائريين بمصر، ولكنه عاد بخيبة أمل، إذ وجدهم يجهلونه جميعهم عدا واحد قال: ” إنه سمع باسمه”.
إن كلام إحسان عبد القدوس يعبر تعبيرا صادقا، عن مرحلة حرجة مر بها مالك بن نبي – الشخص، حيث عاش خلالها مجهولا في الأوساط المقربة إليه والمرشحة لاستيعاب طروحاته الفكرية ألا وهي “الأوساط الطلابية”، وإذا كان هذا الجهل المطبق، بمفكرنا في ذلك الوقت، يمتلك مبررات عدة، أقلها “الظرف الاستدماري”، فإن ما لا يستسيغه عاقل إطلاقا، أن يحدث هذا بعد طرد فلول الاستدمار من الجزائر، وفي ظل انتعاش نسبي للثقافة تشهده الجزائر.
ولا نبالغ كثيرا إذا قلنا، إنه لولا مجهودات بعض تلاميذ وأصدقاء – مالك بن نبي – الأوفياء، وبعض الجمعيات الحضارية والصحف والمجلات الرسالية[12]، لظل فكر هذا الرجل مجهولا منبوذا لا يهتم به أحد ولا يلتفت إليه بشر. ولقد أحببنا أن نتعرض إلى هذه القضية، لأننا نعدها أساسية من نواحي ثلاث:
الناحية الأولى:
كونها شغلت حيزا كبيرا في تفكيره، وشكلت المحور المركزي في تحليله للظاهرة الاستدمارية.
الناحية الثانية:
ارتباط القضية ارتباطا وثيقا بواقعنا المعاصر، خصوصا في ظل عودة الاحتلال الغربي لأراضي عربية بدعوى نشر الديمقراطية.
الناحية الثالثة:
وجود بعض الاقتراحات الفكرية الداعية إلى تجاوز فكر مالك بن نبي كلية وخصوصا بالنسبة لهذه القضية، وذلك لأن أصحاب هذه الاقتراحات يرون: أولا: أن أفكار مالك بن نبي بخصوص هذه القضية، كانت وليدة مرض الشك الذي كان يعاني منه. وثانيا: لأنهم أصبحوا لا يجدون في أفكاره شيئا جديدا.
فهل تجاوز الزمن فعلا المفهوم الحقيقي الذي عناه مالك بن نبي من وراء إطلاق مصطلح” القابلية للاستدمار”، بحيث أصبح اللفظ فاقدا لأيِّ مضمون واقعي؟ وبعبارة أخرى: هل أضحى مصطلح “القابلية للاستدمار” لا يعبر تعبيرا دقيقا عن النقلة النوعية الكبيرة التي وقعت في نفوس شعوب دول العالم المستضعف، خصوصا بعد تحرِّرها – شبه الكلي – من السيطرة الاستدمارية المباشرة؟
وإجابة عن هذا السؤال في صيغه المختلفة نقول: إن مالك بن نبي يعتبر الاستدمار معلولا لعلة هي”القابلية للاستدمار”، وإذا أراد الإنسان المستعمر أن يتحرر من”أثر” الاستدمار، يجب عليه أن يتحرر أولا من” سببه” المتمثل في”القابلية للاستدمار”. يقول مالك بن نبي :«الاستدمار .. ليس هو السبب الأول الذي نحمِّل عليه عجز الناس وخمول عقولهم في مختلف بلاد الإسلام، ولكي نصدر حكما صادق في هذا المجال ينبغي أن نتقصى الحركة الاستدمارية من أصولها، لا أن تقف أمام حاضرها، أي أن علينا أن ننظر إليها كعلماء اجتماع لا كرجال سياسة، وسندرك حينئذ أن الاستدمار يدخل في حياة الشعب المستعمر كعامل مناقض يعينه على التغلب على قابليته له، حتى أن هذه القابلية التي يقوم على أساسها الاستدمار تنقلب إلى رفض لذاتها في ضمير المستعمر، فيحاول جهده التخلص منها…
… وكلما حاولنا تصنيف مختلف الأسباب التي تعرقل ضروب النشاط في العالم الإسلامي الحديث والتي تشد تطوره على نسق متلكئ، والتي تزرع القلق والعجز، وأخيرا الفوضى في حياته، وجدنا أن الأسباب الداخلية التي تنتج عن “القابلية للاستدمار” هي الأسباب ذات الشوكة والغلب… ولما كان وضع إنسان ما بعد الموحدين هو وضع الفرد المسلم المستعمر والقابل للاستدمار، فإن العلاقة بين الذات والموضوع هنا هي علاقة الفرد - باعتباره مستعمرا – بذاته، باعتباره قابلا للاستدمار، وليست علاقة بين مستعمِر ومستعمَر»[13].
ويظن بعض الذين لم يقرأوا كتب مالك ابن نبي، أنه لم يتحدث إطلاقا عن الاستدمار كغدة سرطانية مغروسة في جسم الشعوب المستعمَرة، والحقيقة خلاف ذلك، يقول مالك بن نبي :«..وهكذا يحدق بحياة المستعمر من كل جانب، ويوجهها توجيها ماكرا لا يغفل أتفه الظروف، وأدق التفاصيل، ومن الواضح أن الاستدمار بصورته هذه يعتبر عنصرا جوهريا في فوضى العالم الإسلامي، فهو لا يتدخل فقط بمقتضى العلاقة المباشرة بين الحاكم والمحكوم، بين المستعمر والمستعمر، وإنما يتدخل أيضا بصورة خفية في علاقات المسلمين بعضهم ببعض… إن الاستدمار ذو منهج، ويخرج أعماله كلها إخراجا فنيا خداعا، بحيث يصبغ البلاد المستعمرة بصبغة استعمارية، وهو يذلل أية عقبة تعترض طريقه مستخدما في ذلك علمه ومقدرته، ومن أصول الفن لديه أن يقصي صفوة الناس عن أماكن القيادة، لأنهم هو الذين يمثلون أسمى فضائل شعبهم، ثم يستخدم لتحقيق مآربه طائفة من خلصائه، اصطفاهم ليمثلوا الشعب المستعمر، كذلك نجده يحول بين الشعب وبين إصلاحه نفسه، فيضع نظاما للإفساد والإذلال والتخريب يمحو به كل كرامة أو شرف أو حياء»[14].
علاقة” الاستدمار” بـ” القابلية للاستدمار”
وقد نلحظ بوضوح نظرة مالك بن نبي – للعلاقة القائمة بين “الاستدمار”، و”القابلية للاستدمار” في ما كتبه سنة قبل وفاته، في خاتمة كتابه “بين الرشاد والتيه” تحت عنوان” الصراع الفكري”، حيث يقول: «حسبي هنا أقول كلمتين كخلاصة لخبرتي في الموضوع: أولا: إن الصراع الفكري، تجري عليه قاعدة الشيء المركَّب من أشياء، فإذا أجرينا على تركيبه عملية تحليل، وجدنا فيه عناصر تعود إلى الاستدمار وأخرى تعود إلى القابلية للاستدمار، لكنا إذا تتبعنا العناصر هذه كلها، في نطاق عملها في حياة المجتمع الإسلامي، فسوف نجد أن العناصر الأولى لا تؤثر، ولا تستطيع التأثير إذا لم تساعدها “القابلية للاستدمار” وبعبارة أخرى، فالاستدمار وحده لا يستطيع شيئا»[15]… إلى أن يقول:«والآن، فإذا سمح لي أن ألق على هذه الحقيقة بشيء من تجربتي الشخصية ككاتب أقول أنه ما أصابني الاستدمار بأذى يعطل نشاطي، إلا عن طريق هيئة دينية إسلامية، أو سلطة في بلاد عربية” ويريد مالك بن نبي أن يقول في هذه الفقرة : “إن الاستدمار في كل تحركاته الحثيثة لأجل تعطيل نشاطه، لم يكن ليحقق شيئا يذكر، لولا “القابلية للاستدمار” المتمكنة من بعض النفوس الضعيفة والعاجزة عن التحرر منها” وهنا نقف وقفة لابد منها نطرح من خلالها هذه الأسئلة:
- هل بإمكان الدول الاستكبارية في العالم أن تستنزف وتسخر مقدرات الشعوب المستضعفة لمصالحها، لولا وجود خدم طيعين لها داخل تلك الشعوب؟
- من استدعى القوات العسكرية الأجنبية إلى دولنا ومياهنا؟
- كيف عجزت دول استكبارية عن ضرب دول إسلامية بطريقة مباشرة، بينما حققت غرضها عندما أوكلت الأمر إلى دول إسلامية أخرى؟
- إن المتغيرات التي شهدها العالم بعد وفاة مالك بن نبي، مع الثورة المعلوماتية، جعلت “القابلية للاستدمار” شيئا ملموسا ومجسدا في سلوكات كثير من رجال سياسة والإعلام في البلدان الإسلامية، بعدما كانت في أغلب تحليلات مالك بن نبي حالة نفسية يعيشها الإنسان المستعمَر ثم تنعكس على كل سلوكاته.
- ومن هنا يظهر تهافت رأي من قال، بأن نظرة مالك بن نبي للاستدمار كانت وليدة مرض الشك الذي كان يعاني منه، لأن النظرية لا تزال محتفظة بجدتها وحداثتها رغم مرور أكثر من 50 سنة على طرحها.
إن نظرة مالك ابن نبي هذه، موضوعية إلى أبعد حد، بل تشكل وسطا ذهبيا بين نظرتين متطرفتين كلتاهما مذمومة.
الأولى: تحمِّل مسؤولية الواقع المتخلف الذي يعيشه الإنسان في العالم الثالث لمؤامرات الأعداء ومخططاتهم. كما ترفع – في الوقت ذاته – كل مسؤولية في ذلك عن كاهل هذا الإنسان، وقد وجدنا هذه النظرة تترسخ في بعض الذهنيات من خلال الدراسات الإسلامية التي راحت تفسر كل أحداث التاريخ بـ “العامل اليهودي”، وقد وجدنا أن بعض الحركات تعتمد “نظرية المؤامرة”كأساس لكل تحليلاتها السياسية”.
الثانية: تنزِّه الاستدمار عن كل شر لحق بالشعوب المستضعفة، بل وتجعل هذه الشعوب المسؤول الوحيد عن أزماته التي يتخبط فيها.
وكلا التفسيران له مضاعفاته على ذهنية الإنسان ونفسيته، ذاك الذي يعيش التخلف بأشكاله المختلفة، إضافة إلى مجانبتهما حقيقة الواقع كلية، فبينما يؤكد الأول حالة الضعف والانسحاق أمام القوى المستكبرة، يرسخ الثاني فكرة أن الاستدمار قد كف عن مناصبتك العداء، ومن ثم عليك أن تخرجه كلية من حساباتك وأنت تخطط للخروج من تخلفك.
والنظرة الواقعية تقتضي أن نقول: إن الاستدمار سيظل يخطط لأجل استخدامك لتحقيق مصالح شعوبه، إلا أنه لا يستطيع أن يفعل شيئا وحده، بل وفي مقدورنا مواجهته بنقاط القوة التي تختزنها مواقع ضعفنا لنضرب بها نقاط الضعف المختزنة في داخل مواقع قوته، على أساس أنه لكل موقع قوة نقاط ضعف، كما أنه لكل موقعِ ضعفٍ نقاط قوة، كما يقول عالم ومفكر لبناني كبير.
دعوة لكشف الأساليب الجديدة للاستدمار
إن المتأمل في كتاب” الصراع الفكري في البلاد المستعمرة” يرى بأم عينيه كيف يعري مالك ابن نبي أساليب الاستدمار ومخططاته تعرية، من خلال تجربة شخصية غنية بالمواجهات مع الفكر الاستدماري، ويقول د.عبد السلام الهراس بأن التحركات الدعوية، التي قام بها بصحبة مالك ابن نبي وآخرين معه، كانت مراقبة بدقة من طرف المخابرات المصرية، دون أن تنجح في مسهم بأذى يذكر، لأن الأمور – كما يقول – كانت محكمة، وألطاف الرب العظيم كانت تحيط بهم، في وقت لم يكن يمر على سماء مصرٍ طائر. وفي الصدد ذكر نكتة، ملخصها، أن أحد المترددين على مالك بن نبي سئل من طرف أحد العيون ، عما يتحدثون فيه خلال لقاءاتهم، فأجابه: نتحدث عن الحضارة، فقال الرجل: ألا تتحدثون عن الإسلام، فأجابه قائلا: أنا نصراني فبهت الرجل.
وهذا دليل آخر نقدِّمه، لمن يقول إن مالك ابن نبي، قد أعطى للاستدمار حجما أكبر من حجمه، ونحن نعتبر الوقوف عند الحدود الفكرية التي وصل إليها مالك بن نبي، في عطاءاته المتدفقة، تجاوزا خطيرا في حق عقولنا وواقعنا، وفي نفس الوقت نعد كل دعوة تصر على نبذ فكره وطرحه كلية، بدعوى مجاوزة الزمن له، محاولة تظلم كثيرا مدرسة خاصة ومميزة في عرض الإسلام والدعوة إليه، كما يقول الشيخ الغزالي عن مالك ابن نبي .
وما ندعو إليه، هو العمل بجدية لتنضيج وتطوير فكر مالك ابن نبي، في عصر عولمة المعلومات والاتصالات، هذا الفكر الذي يكشف الواقع، يوما بعد يوما، حاجتنا الدائمة إلى الالتفات إليه، والنزول به إلى ساحة الجماهير، خصوصا ونحن نعيش وضعا محليا وإقليميا ودوليا جديدا، كما أن الأساليب الاستدمارية لضرب الشعوب المستضعفة وهوياتها الثقافية، قد تطورت وتغيرت كثيرا، منذ وفاة مالك ابن نبي، مما يستلزم بذل الجهد واستفراغ الوسع في كشفها وتعريتها.
[1] أسبوعية الهلال (الجزائرية) ص11. عدد09. 01 نوفمبر 1994.
[2] أسبوعية رسالة الأطلس (الجزائرية) ص12.عدد472. 26 أكتوبر2003.
[3] نورالدين بوكروح. أسبوعية رسالة الأطلس (الجزائرية). العدد 472. ص07.
[4] من محاضرة ألقاها بالمركز الثقافي ابن باديس قسنطينة، يوم 01 نوفمبر 1991. أسبوعية”النور” عدد 31. 04/11/1991. وكان حاضرا خلالها الشيخ أحمد حماني الذي عاتب سكان قسنطينة على إهمالهم “كلية الشعب” التاريخية، منطلق أنشودة “شعب الجزائر مسلم”. وأضاف : “لو كان هذا المكان عند أمة أخرى لكان مقام خير..إنه لا أفضل من قسنطينة إلا مكة والمدينة”.
[5] الشيخ يوسف القرضاوي . الشيخ الغزالى كما عرفته.. رحلة نصف قرن.
[6] من مقدمة كتابه “نحن والغرب”.
[7] مالك بن نبي. وجهة العالم الإسلامي. ترجمة عبد الصبور شاهين. ص102. دار الفكر (بيروت)
[8] المصدر السابق. ص104.
[9] المصدر السابق. ص97-98-99.
[10] د.إبراهيم الفقي. البرمجة اللغوية العصبية وفن الاتصال اللامحدود. ص33. المركز الكندي للبرمجة اللغوية والعصبية.
[11] المصدر السابق.ص23.
[12] اعتادت كثير من الأسبوعيات والدوريات الجزائرية الاحتفال بذكرى وفاة مالك بن نبي عبر نشر ملفات وحوارات تدور حول فكره .
[13] المصدر السابق. ص103.
[14] المصدر السابق. ص121-122-123.
[15] مالك بن نبي. بين الرشاد والتيه. ص197. دار الفكر.2002.
http://montada.echoroukonline.com/showthread.php?t=145983



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://benabbimalek.forumalgerie.net
 
ندوة مالك بن نبي الالكترونية (02)
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى مالك بن نبي فيلسوف الحضارة المعاصر :: الفئة الثانية :: ندوات ومحاضرات إلكترونية عن مالك بن نبي-
انتقل الى: