منتدى مالك بن نبي فيلسوف الحضارة المعاصر

مالك بن نبي مفكر جزائري عالمي معاصر تمكن بدافع حماسه الإيماني العميق وبفضل تمكنه من المنهج العلمي المعاصر من تشخثص مشكلات الحضارة الإسلامية خاصة ووضع الحلول المناسبة لها ..
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 ندوة مالك بن نبي الالكترونية (02)

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبد المالك حمروش
مدير عام
مدير عام
avatar

عدد المساهمات : 359
تاريخ التسجيل : 14/04/2013

مُساهمةموضوع: ندوة مالك بن نبي الالكترونية (02)   الخميس نوفمبر 28, 2013 8:46 am

ندوة مالك بن نبي الالكترونية (02)


مالك بن نبي

تواصلت ردود الآراء ي إطار الندوة التي أقامها كل من موقعي أصوات الشمال وموقع مالك بن نبي، وهي الندوة التي اقترحها الأستاذ فارس بوحجيلة، ونعرض تباعا المداخلات المقدمة من قبل الأساتذة، نذير طيار، صاد العلي، عبد العزيز كحيل، العيد دوان والأستاذ بشير خلف.
المشروع النهضوي هو مشروع فكري اولا
نذير طيار
أوافق الأستاذ محمد عمر سعيد في الخطوات المطلوبة أولا قبل تحقق الفكر البنائي على صعيد الواقع، والمشروع النهضوي هو مشروع فكري أولا نعم،ولكنه يبقى مجرد حلم إن أغرق في الجانب النظري على حساب المشكلات الواقعية. وهنا أود أن أناقش هنا البعد العملي لأفكار مالك بن نبي،الغائب الأكبر عن دراسات كثير ممن تصدوا لقراءته، كما أنبه إلى أنَّ نسبة ازدهار دولة أو أمة ما إلى مفكر واحد، هو من باب الحديث عن فعالية أفكاره على صعيد الواقع، ولا يلغي كل المساهمات الأخرى، على أساس أننا لا نؤمن بالعامل الواحد في تفسير الحركة النهضوية. هذا من جهة. ومن جهة أخرى، بعض الأطروحات ورغم عمقها التحليلي، قد تتجنى على فكر مالك بن نبي من حيث لا يدري أصحابها، عندما توغل في الحديث النظري عن أفكاره بعيدا عن الأبعاد الواقعية، الهدف المركزي لكل مشروع فكري. هناك كثير من الدراسات التي تعزو فكر عصر النهضة مثلا إلى عقلانية ديكارت صاحب الدراسات الفلسفية المحضة، فهل يعني هذا أن ديكارت قدم مشروعا سياسيا تطبيقيا؟ مع العلم أن مالك بن نبي ناقش في معظم كتبه مشكلات التخلف وكان يتحدث عن المجتمع الإسلامي من خلال ما هو كائن لا من خلال ما يجب أن يكون، بمعنى أن مالك بن نبي لم يقدم قراءة فلسفية محضة في مشكلة النهضة. والسياسة شئنا أم أبينا هي ظاهر ما تبطنه الفنون والعقائد.
وتوضيحا أكثر لفكرتي أقول: عندما يتحدث روجي غارودي عن الأسس الفلسفية للحضارة الغربية يحصرها في ثلاثة افتراضات أولية:
1- الافتراض الأول لـديكارت..” يتعين علينا أن نصبح سادة الطبيعة ومالكيها”" مقال عن المنهج” عام 1637.
2- الافتراض الثاني لـمارلووِي..” أيها الإنسان، لتكن إلها بعقلك القوي.. وسيدا على كل العناصر” ” القصة التراجيدية للدكتور فاوست ( عام 1590 )”.
3- الافتراض الثالث لـآدم سميث: “إذا سعى كل منا لتحقيق مصلحته الشخصية، فإن ذلك سيؤدي في نهاية المطاف إلى تحقيق المصلحة العامة، إذ أن هناك يدا خفية تحقق هذه النتائج” (”أبحاث طبيعية وأسباب ثروة الأمم” 1776 ).
وبعد خمس قرون من الهيمنة الأحادية، توصلت هذه الثقافة إلى نتائج تتناقض مع ما حددته لها هذه الافتراضات الأولية.. فقد انتهت- كما يقول غارودي- إلى:
1- تلوث الطبيعة وتلفها وإمكانية تدميرها تقنيا.
2- تزايد كبير للعنف البشري، فقد بات واضحا أن منطق السوق إنما هو منطق حرب يخلق نوعا من عدم التوازن المتزايد بين الشمال والجنوب، كما يخلق تباينات متزايدة في داخل الشعب الواحد، بسبب تراكم الثروات لدى أحد قطبي المجتمع وتراكم الفقر لدى القطب الآخر.
3- إن ادعاء تسيير العالم بدلا من الله، واستبعاد الإيمان بالقيم المطلقة، وجعل الفرد والأمة مركزا ومقياسا لكل شيء خلق نوعا من الغاب في المدينة، والدولة.. والعالم كله. (تصريح غارودي.. خلال الجولة الثقافية التي قادته إلى المشرق العربي.. بعد صدور كتابه” الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية).
وليس سهلا على القارئ البسيط، إدراك العلاقة بين تلك الأسس الفلسفية الثلاث.. وهذه النتائج الواقعية الثلاث. ويجدر بنا التنبيه مجددا، إلى أن نسبة تلك الافتراضات الثلاث إلى أولئك النوابغ الثلاث، لا يعني إطلاقا تحميلهم وحدهم مسؤولية ما حدث لاحقا، ولا حصر العقول الكبيرة التي أنتجت الحضارة الغربية في دائرتهم الخاصة.. ولا حتى إنكار ورود تلك الافتراضات لدى غيرهم من العباقرة ممن عاصروهم. كل ما هنالك حسب رأينا هو أن تلك الأفكار قد وجدت صياغتها الواضحة والدقيقة لدى هؤلاء الثلاثة أكثر من غيرهم.
ويرى روني ڤينون أن كل الفلسفة الحديثة تجد جذورها عند ديكارت، ولكن تأثير الرجل على عصره أولا، ثم على العصور اللاحقة، والذي لم يقتصر على الفلاسفة وحدهم، ما كان ليحصل لو لم تتوافق تصوراته مع الاتجاهات الكائنة مسبقا، والتي تعكس في مجموعها تصورات مجموع معاصريه وذلك لأن كل حركة، في أي مجال، هي دائما حصيلة نهائية وليست نقطة انطلاق حقيقية. وإذا كان ديكارت يمثل بشكل خاص – حسب ڤينون- الانحراف الحديث فهو بالتأكيد ليس المسؤول الأول ولا الوحيد عن ذلك، ومن الواجب الذهاب بعيدا لاكتشاف جذور هذا الانحراف. وحتى “النهضة الأوروبية” التي اعتُبِرت دائما التجلِّي الأول الكبير للفكر الحديث، قد أتمت القطيعة مع الموروث، أكثر من أن تكون قد أنجبتها.
لا يمكن لأي باحث في العالم العربي والإسلامي يتصدى لدراسة موضوع انهيار حضارة من الحضارات، ماضيا أو مستقبلا، أن يقفز على”نظرية الحضارة” عند مالك بن نبي ـ رحمه الله ـ كواحد من أكبر قادة الوعي الحضاري في العالم الإسلامي الحديث ، وصف أحد تلاميذه آثاره المرتقبة (الدكتور عبد اللطيف عبادة) في العلوم الاجتماعية بـ”الثورة الكوبرنيكية” قياسا على ما أحدثه كوبرنيك في العلوم الفيزيائية، حين تجاسر بجرأة العالم واعتنق رأيا جديدا مخالفا لما زعمته نظرية بطليموس، فذهب إلى أن الشمس ـ وليس الأرض ـ هي مركز الكون، والأرض والكواكب جميعا تدور حولها في مدارات دائرية، صححها فيما بعد الفيزيائي كبلر وقال إنها”بيضاوية” .
إن تمحور تفكير مالك بن نبي حول الإجابة عن”سؤال النهضة” لم يدفعه إلى التقوقع والتعلُّب في إطار”تخلف المجتمع المسلم”، بل على العكس من ذلك فتح لنفسه آفاقا واسعة ومساحات رحبة، أهَّلته للغوص في سيرورة الحضارات وصيرورتها عبر التاريخ، في حركتها من الميلاد إلى الأفول، الأمر الذي مكنه في نهاية المطاف من طرح نظرية شاملة حول الحضارة تستوعب التاريخ الإنساني كله، في انفجاراته وسكناته، في انكساراته واستقاماته. مع العلم أن انشغال كثير من الباحثين بالإجابة عن”سؤال النهضة” استجابة لمتطلبات الظروف التخلفية الراهنة، قد دفعهم إلى تركيز قراءتهم للنظرية الحضارية عند مالك بن نبي على المرحلة الأولى من الدورة الحضارية، وهي مرحلة الميلاد التي خصص لها الرجل كتابا كاملا هو “ميلاد مجتمع”، وتحتل جزءا كبيرا من مؤلفه: “مشكلة النهضة”. وما تجدر الإشارة إليه أن مالك بن نبي قد انتقد مسلك الذين ينظرون إلى ظاهرة الحضارة منفصلة عن ظاهرة الانحطاط ويعلل نظرته النقدية هذه قائلا:«تأتي أهمية هذه النظرة من أنها تتيح لنا الوقوف على عوامل التقهقر والانحطاط، أي على قوى الجمود، داخل الحضارة إلى جانب شرائط النمو والتقدم، فهي تتيح لنا أن نجمع كلا لا تتجزأ مراحله..ومن الملاحظ أن التعارض الداخلي بين أسباب الحياة والموت في أية عملية حيوية “بيولوجية” هو الذي يؤدي بالكائن إلى قمة نموه ثم إلى نهاية تحلله» ثم يضيف :«في المجال الاجتماعي تكون هذه الحتمية محدودة بل مشروطة، لأن اتجاه التطور وأجله يخضعان لعوامل نفسية زمنية» .
وإذا كانت نظرية التغيير الاجتماعي عند مالك بن نبي تقوم على عوامل ثلاثة هي: عالم الأشياء، وعالم الأشخاص، وعالم الأفكار..فإن الرجل ـ حسب بعض الدارسين ـ لم يهتم بتحديد هذه العناصر، بقدر ما اهتم بمعالجة حركتها، عبر تحليل شبكة العلاقات الاجتماعية. فهناك توازن ضروري بين هذه العوالم، وفي حالة وقوع طغيان أحدها على العنصرين الآخرين، فثمة أزمة حقيقة في مسيرة الحضارة تلقي بها خارج التاريخ، فريسة طغيان الشيء أو طغيان الشخص أو طغيان الفكرة. ففي البلد المتقدم ـ مثلا ـ وطبقا لدرجة تقدمه، يسيطر الشيء بسبب وفرته وينتج نوعا من الإشباع، ويفرض شعورا لا يحتمل من الشؤم البادي، من رتابة ما يرى حوله. فيولد ميلا نحو الهروب إلى الأمام، الذي يدفع الإنسان المتحضر دائما إلى تغيير إطار الحياة. أما في البلد المتخلف فإن الشيء يفرض طغيانه بسبب ندرته، وتنشأ فيه عقد الكبت والميل نحو التكديس الذي يصبح في الإطار الاقتصادي إسرافا محضا.
كل هذا يدلل بما لا يدع مجالا للشك على البعد الحضاري الشامل لأفكار مالك بن نبي.
نحن أمام فيلسوف اجتماعي من طراز فريد، توغل في عمق الحضارات، وانخرط في صميم المتابعة اليومية للأحداث السياسية، وجاهد بالفكر الراقي جدا لأجل مقاومة الهيمنة الاستدمارية، بكل أشكالها، ولعل هذا هو السبب الرئيسي الكامن وراء الحصار المضروب على فكره ماضيا وحاضرا.
ندوة بن نبي الالكترونية … دالـــة الحضارة

صاد العلي
لست اعلم لماذا نمر دائما من الأروقة الضيقة و نستعمل المسالك الجانبية قليلة النافذية ونجتر دائما “العصف المأكول” و نمج الجمل الرنانة و كأننا لا نريد التقدم في الموضوعات أو التعمق في البحوث نحن كمثقفون أو أدعياء ثقافة لا نريد أن نشغل عقولنا بما يكفي و لم نقتنع بأن هذه العقول التي حبانا الله إذا لم تكن قادرة على إنتاج الأفكار فالكسر على جدران المطالعة قد يفيدها في الاعتراف بعجزها و هو أول مدخل نحو التغيير و هو نفس التغيير الذي رفعته جمعية العلماء المسلمين و روج له المفكر الكبير مالك بن نبي “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.”
قد يستغرب البعض الغرض من هذه المقدمة و لكنني أقدمها بين يدي الندوة التي بادر بها الأستاذ “فارس بوحجيلة” و تجاوب معها الإخوة و الأساتذة الأفاضل مشكورين و مأجورين إن شاء الله…, لقد تكلمنا جميعا و ساهمنا جميعا و اتفقنا كما كان متوقعا في الإشادة بعبقريته و تميزه و قصورنا و عجزنا عن مواكبته و تقمص مشروعه و الذي لا أعتقد أننا قادرون على صياغته صياغة تخرجه من النظرية للتطبيق و عدى ذالك لم ألحظ أي جديد في الموضوع هل المسائل الكبرى المطروحة في ديباجة الندوة قد تم استيفاؤها؟ و استسمح الإخوة الأفاضل لأقول بأنني لم المس ذلك ، فنحن لم نتحاور في هذه الندوة بل رحنا نعدد خصال الأستاذ مالك بن نبي و كأننا نُعرِفُ به في الوقت الذي يعتبر مالك أغني من أي تعريف و أشهر من أي وصف أظن أننا كنا نُعرِف بأنفسنا كمهتمين بفكره لا أكثر و لا أقل.
و لو يسمح لي الأخ المشرف على الندوة لطرحت مجموعة من الأسئلة أو المحاور التي تجعل للندوة اتجاه معرفي تثاقفي و للحديث وجهة منهاج و هدف.
- علينا أن نشرح أهم مميزات مشروع الأستاذ بن نبي الفكري
- أن نعيد قراءة الفكرة الأساسية في نتاجه و من ثمة النزول إلى الجانب العملي لكل فكرة
- علينا طرح الأسئلة المحورية في نتاجه و تفكيك المنظومة القيمية التي استند عليها الأستاذ و من ثمة النظر في مدى تطور المجتمع أو تخلفه و هذا يوصلنا للحكم العقلاني على مدى صلاحية الفكرة للزمن الراهن.
- إعادة صياغة مشروعه الفكري و فق لغة جديدة بما يستجيب للواقع الجديد
و باختصار أجده مخلا و قابلا للإثراء من طرف الجميع و حسب زعمي فإن مشروع الأستاذ مالك رحمه الله يتمحور حول بعث روح العقل و التدبر لدى الفرد المسلم و تحريره من قيد الجماعة و الإجماع و فكر الفرق الناجية…أي تجريده من هيمنة الموروث كمعوق للفعل النقدي الحر و تحرير الفكرة من المادة و العمل على تجريد الدين من العادة بأن نعيد صياغة المجتمع وفق آليات مبتكرة. فاللحظة العُقيلة التي جعلت الأكل على مائدة معاوية أفضل للدنيا و الصلاة خلف علي اضمن للدين و هي كما يصوره المنحنى الخاص بدورة الحضارة نقطة نضج برغماتية و هي لحظة انفصام شخصية المسلم الذي صار ينظر للمنظومة الفكرية بانتقائية مفجعة و هو ما نشهده اليوم مثلا مجسدا في التزاحم على الصفوف الأخيرة للجوامع قصد التسابق على الخروج بدل التنافس على حسن الاستماع و الإفادة من الوعظ بالتزاحم على الصفوف الأولى و كأن الخطاب الديني لم يعد يجذب أو يؤثر في النفوس فتحولت الجمعة إلى واجب شعائري ميكانيكي بدل أن تكون لحظة تأمل و تجدد رغم أن التقوى ليست في تولية الوجه شطر المشرق أو المغرب غنما الأعمال بالنيات فغابت حقيقة الفكرة المبنية علي العقيدة الراسخة في العقول و تحولت كل الجهود لإحياء الحركات و الطقوس- و إن كانت هذه الطقوس مهمة و واجبة الحفظ- …… و كذالك نحول الحج إلى سياحة و أوسمة و الزكاة و الصيام و….. علينا أن نعيد تموضعنا فوق منحنى “دالة” الحضارة لكي نعرف أين نحن من أفكار الأستاذ مالك بن نبي و مثله.
عندما أنتج بن نبي عوالم الأفكار و الأشخاص و الأشياء و تعرض للشيئية و شرح واقعنا على نحو متلائم مع تقسيمه كان يعيش لحظته … فهل لنا القدرة على قياس مدى جاهزية عوالم الأشخاص لتقمص و نقد و إنتاج عوالم الأفكار و إفراز أشياءنا الخاصة و أين نحن من الأمثلة التى ساقها حول الفكرة والصنم و حول التكديس الوظيفة و الموظف ثم هل نحن قادرون على صياغةٍ عمليةٍ تطبيقيةٍ لتجربة هذه الأفكار على أرض الواقع.
عندما تكلم الأستاذ مالك بن نبي عن السياسة و الأخلاق و عن المثقف و الثقافة و عن القابلية للاستعمار…كان ملما بمعوقات عصره.. هل نحن قادرون على إعادة صياغة واقعنا بما ينسجم مع منطلقات الفكر الخاص بحقبة الستينات و ما سبقها هل لازلنا نعاني من القابلية للاستعمار أم أننا نعاني من أفات و معوقات مستجدة ثم اين نحن من الأسئلة الكونية الكبرى للعولمة و المواطنة و قيم الحرية الفردية … هل قال الأولون كل ما يجب و لم يتركوا للمتأخرين شيئا …….
هل نحن فعلا قادرون و من منطلق الفكرة “البن نبوية” على الإجابة على تحديات الفكر الحداثي و المدارس الفكرية الناشئة هنا و هناك هل يمكننا أن نعيد صياغة التحدي و من منطلق أفكار بن نبي، لأفكار نهاية التاريخ و صدام الحضارات أو أفكار وحدة الأديان و التعايش السلمي مع الفكرة المسيحية الصهيونية المهيمنة..الخ أعتقد أن الحكم الجزافي و المبدئي المسبق بكوننا “الأكثر” و “الأول” فكر لا يعدو كونه مسكن و ملهاة شاغله عن إمعان النظر و مواجهة التحديات الحقيقية للحداثة و ما بعد الحداثة كمأزق إنساني عام لأننا لابد و أن ندرج أنفسنا في صيرورة التطور البشري العام و أن لا نتقوقع خلف اليقينيات القطعية المتعالية خلف النفاق الطوباوي أو الركون لحقيقة أن مالك بن نبي سبق عصره و لا داعي لنفكر فمالك قال كل ما يجب أن يقال….
لست هنا في صدد جلد الذات او “شيطنة’ الجهد كما قد يتهمني البعض لكننا كأدعياء ثقافة لا يجب أن نتوقف عن إعادة النظر و إيجاد التناقض و خلخلة اليقينيات و زعزعة المسلمات من اجل التحيين المستمر لمنظومتنا الفكرية بما تحمله من مرجعيات مهمة فوحدها الافكار الكبرى من يقبل التناقح و التلقيح و العقم هو سمة الافكار الراكدة في المياه الأسنة “للأنا المنتفخة” الراضية بوضعية المفعول به الحضاري.
ثقافة الأزمة وأزمة الثقافة

عبد العزيز كحيل
عرف الأستاذ مالك بن نبي _ رحمه الله _ أن معاناتنا تنبع أساساً من الثقافة فجعل مشكلة الثقافة محور فلسفته وعنوان أحد أهمّ كتبه وخاض في الكدح المعرفيّ لطرح القضية بجلاء ومن كل جوانبها ،والتمس الحلول المناسبة على أكثر من مستوىً، ومازلنا مع المشكلة بل لعلّها زادت حدّةً بسبب انحباس التفكير والسلوك في ثقافة الأزمة ، فقد تهنا منذ دخول الاحتلال الغربي إلى اليوم بين الانفتاح المجنون الّذي يؤدّي إلى اللاهويّة وبين الانغلاق الغبيّ الّذي لا يحسن سوى التكرار بلا ذاتية، فكادت الثقافة تموت عندنا لأنّها قليلة التفكير، وفقدنا المعالم وسادت ثقافة الإلغاء والاستبعاد ، فكلّ كاتب أو متكلّم لا يرى سوء فضاءٍ ضيّقٍ واحد حكر عليه لا يتّسع لصاحب رأي مخالف أو طرح مغاير فانتفخ الأنا وأصبح الآخر هو العدو و هو الجحيم، ومن أراد أن يعترف له أحد بوجوده فليكن فقط إمّعةً وليرتدِ لباس الخدم فسيعيش مستريحاً لكنّه لن يتحرّك إلاّ بإشارة السيّد الأوحد الأعلم الأقوى ليقول ما يرضي هذا السيّد وينثر حوله البخور، لهذا لا تعرف دنيانا نحن – في الغالب - سوى ثقافاتٍ باردةٍ هابطةٍ متحجّرةٍ بينما ينعم آخرون بثقافات حارّةٍ صاعدةٍ منتشرةٍ، وهذا ما يصنع الفرق بيننا وبينهم… إن ثقافة الانحطاط مازالت راسخةً في نفوسنا وهي الّتي جعلتنا لا نطيق بعضنا ولا نرى إلاّ الأبيض والأسوَد ونلغي باقي الألوان باسم الدين أو التاريخ أو الجغرافيا أو بذرائع أخرى، ولما كنّا عاجزين عن مواجهة من هزمونا أصبحنا نتفنّن في موّاجهة بعضنا باللعن والتكفير والانتقاص والتهديد بالإبادة السياسيّة والثقافيّة، ولو تشرّبنا ثقافة الحرّيّة لما حدث هذا لكنّنا قرّرنا ألاّ نحتملها لأنّها ببساطة ثقافة النقد والرأي والدخول في عالم الآخرين من غير إقصاءٍ ولا تهديدٍ ولا نرجسيّةٍ، نعم، نتكلّم عن محاسبة الذات وننقد الآخر وحده، ونتكلّم عن حرّيّة الرأي بشرط أن يوافق الرأي السائد، ونتكلّم عن الآخرين لكنّنا لا نرى إلاّ أنفسنا،،، ويبلغ الأسى مداه حين نزعم أن هذا ما يأمرنا به الإسلام أو هذا ما تقتضيه الحداثة، وقد قرّر سدنة معبد الاستبداد وحرّاس الخطأ من قديم أن لا حرّيّة لأعداء الحرّيّة فشاعت النمطيّة والتحنيط ولم ينج منها إلاّ أصحاب الأفكار الحيّة المنعشة في حين غدت من ثوابت المتشبثين بالأفكار الميتة والقاتلة لأنّهم استصغروا الفكرة فبرز عندهم الصنم في صورة زعيم أو شيخ طريقة أو حداثيّ ” ملهم ” أو أحد منتجات الحضارة الغربية، وقد غاب عن ساحتنا المثقّف القلق وفرشت الزرابي للمثقّف المستريح الّذي يحسن اقتحام الأبواب المشرعة ويتفادى ما وصّد منها لأنّه وعى الدرس وقنع ببذل أقلّ الجهد لتبقى له بطاقة المثقّف في أصقاع استسلمت فيها الثقافة للسياسة لأنّ الأولويّة للبقاء على قيد الحياة والتقاط فتات الموائد في انتظار النياشين والجوائز التقديريّة وصكوك الغفران… وكيف نتساءل بعد هذا عن التخلّف الحضاريّ والقحط العلميّ وانتشار الأمّيّة الفكريّة بنسبة مطردة مع انتشار الشهادات الجامعيّة؟ من بين الإحصائيّات الدوريّة لمختلف مجالات النشاط تمنّيت أن تخصّص واحدة لمعرفة عدد المثقّفين المعارضين والمعترضين، وما من شكٍّ أنّه عدد قليل بسبب الخوف من المغامرة، فالوظيفة الحكوميّة أفضل من الترحال في أوديّة الإبداع وابتغاء الجديد والبحث تحت القشور والغوص في لجّة المجهول، وقد أدرك الحكماء أنّ المثقّف الّذي يستحقّ هذا الاسم يحتاج إلى عاملين ضروريّين متلازمين هما الصمت والحرّيّة، لكنّ العربيّ أو المسلم اليوم مرغم على الثرثرة والهتاف بشعارات المتغلّب حتّى لا يلاحقه تقرير مخابراتي، ثمّ هو يتغنّى بالحرّيّة مع مطلع الشمس ومغيب النجوم ليعفى منها ومن تبعاتها، فما أسهلها على القلم الأصمّ وما أصعبها في دروب الحياة منذ افترق السلطان والقرآن ! وليتأكّد الإنسان من ذلك فما عليه إلاّ أن يحصيّ من ثبتوا مع سعيد بن جبير، أمّا من اصطفوا مع الحجاج بن يوسف فلا يأتي عليهم العدّ، ومع ذلك تمسّكت ثلّة من المثقّفين بالمبادئ في زمن المصالح فلم تستوحش من قلّة السالكين ولم تغترّ بكثرة الهالكين، ولولا هؤلاء ما دبج يراع كلمات جريئةً ولا خطّت ريشة لوحة خلاّبة ولا بقيّ مجال للقصائد العصماء في مدح عبد الله بن الزبير والحسين بن علي وأحمد ياسين.
إنّ ثقافة الكلمة _ أي القراءة والكتابة _ الّتي حطّمت الخرافة في العقل العربيّ قبل تحطيم أوثان مكّة قادرة على تجاوز عقبات الأنانيّة والغطرسة لتبني الإنسان الحر المتجاوب مع الكون ومن فيه وما فيه إذا استندت إلى التوحيد وكفرت بالشيطان أي شيطان، فالثقافة الإسلاميّة استبعدت الشعراء الضالين والغاوين ولم تستبعد الفنّ، وسوء الفهم مصيبة كبرى، والمتتبّع لتاريخنا الثقافي يمكنه أن يلاحظ كيف جمّدت ثقافة القرآن وثقافة العقل وبرزت منذ أمد بعيد “ثقافة الإمارة” فوسّد الأمر إلى من بيده السلطة والمال فكسّر كثير من المثقّفين مغازلهم وأقلامهم واختاروا المنفى في القصور أو الكهوف أو السجون، وتستطيع أن تلمس اختيارهم وأنت تقرأ ما أنتجوه من شعر أو قصص أو كتب سياسيّةٍ أو علميّةٍ أو عالميّةٍ… وتستطيع أن تقرأ ما لم يكتبوه في قسمات وجوههم وتعبيرات صمتهم، ولهم بعض العذر، فثقافة السلطة تقهر المثقّف الحرّ بالوظيفة أو الاستعباد أو النفي أو التكفير أو المال، ومع ذلك فالخدمة الوحيدة الّتي تقدّمها هذه الثقافة للحاكم هي خداعه والهمس وراء ظهره، وهذه مأساتنا… فما أحوجنا إلى المبدع الّذي يحبّب إلينا الثقافة حتّى نكون من جمهور القلم لا من جمهور السيف، ولن يكون هذا إلاّ إذا حلّ الإبداع والنقد محلّ التقليد والاستهلاك ألاجتراري الّذي تشجّعه وزارات الثقافة في بلادنا لتحمينا من داء الحرّيّة، هذه الوزارات الّتي تطبع بالمال العام كتباً مسيئةً للنظام العام أو تشتري وتوزّع كتباً لا يقرأها أحد…
ولكن هل للمثقّف ما يغري به جمهوره؟ فرافع لواء الدين يعد جمهوره بالجنّة والسياسيّ يعدهم بالرخاء، فماذا بقي للمثقّف؟ بقيّ له أن يعلّمنا كيف نسمع ونفهم ونقول كلّ شيء، وبقيّ له أن يعلّمنا التركيز على الاختلافات والتنوّع لنواجه العولمة. ..إن الثقافة أصبحت شفويّة جداريّةً شاشيّةً فتراجع دور اليد واللسان لصالح العين والأذن فضاع استعمال جميع الحواس في التثقيف - وإذا حدث ذلك ضاع الفؤاد وذلك من جحود نعم الله تعالى - وهذا تحدّ آخر يواجهنا ويكاد يسحقنا، أما الحداثوية المسمومة فجعجعتها صاخبة وجدواها قليل ولا يمكن أن تثوب إلى رشدها أو تواريّ عوراتها إلاّ إذا اشتغل الإسلاميون بإنتاج المعرفة الراقيّة العميقة العاليّة أكثر من اشتغالهم بالسياسة.
الشعب الجزائري: هل له قابلية للاستعمار؟؟

العيد دوان
القابلية للاستعمار مصطلح كثيرا ما وظفه العالم الجزائري مالك نبي رحمه الله في دراساته الحضارية ضمن شروط النهضة. وقد شيد على أساسه نظرية يصعب ردها، إذ دعمها بأفكار يستحيل إنكارها. غير أن الذي استعصى فهمه على الكثير من الدارسين، أن هذه القابلية ليست حتمية يستحيل التخلص منها، بدليل أنه ينفيها عن نفسه. فعندما أقر أن الشعوب الإفريقية الأسيوية لها قابلية للاستعمار، كان يشير إلى ما توفر لديها من استعدادات نفسية ودينية هيأتها لذلك، وأطمعت المستعمر الذي عمل على تكريسها فيها لتسهيل عملية الاحتلال والسيطرة.
فكما أن الاستعمار خاصية عند الإنسان عند شعوره بالقوة، فالقابلية للاستعمار ظاهرة ثابتة فيه في مرحلة الضعف. فهي تتراوح بين القوة والضعف بحسب الظروف النفسية والاجتماعية والدينية وحتى السياسة لأي مجموعة بشرية. فكلما قويت وتوفرت لها الشروط عند قوم، كلما تمكن الآخر من الاستحواذ عليه. وبما أن الرغبة في عمارة الأرض فطرية في الإنسان، اقتضت الضرورة أن يبحث على الأساليب التي تساعده على تحقيق هذا الهدف. إلى جانب هذه الخاصية الفطرية، ينمو حب السيطرة على الآخر عند الآخر للاستحواذ على الأرض. والمجتمع الجزائري مثل غيره، لم ينج من هذا الداء الحضاري. فقد أبدى على امتداد التاريخ، استعدادا لتمكين الآخرين من نفسه، فكان أن استعمر لفترات طويلة لم يتوقف خلالها عن ممانعة ومغالبة المستعمر الذي سرعان ما يغير من سلوكه بعد احتلاله للأرض.
فمالك بن نبي يرى إن القابلية للاستعمار مسبوقة بعدة عوامل جعلن الأفراد تسودهم مشاعر السلبية والاستسلام والخضوع لمفاهيم جعلته يميل إلى السهولة في التعامل مع القضايا واستحالة النظر إلى حلولها. في هذه المرحلة لا يتعذر التدين في المجتمع ولكن تدينهم فردي، مما يجعلهم يفتقدون التماسك الاجتماعي مكونين بذلك أرضاً خصبة تشجع المستعمر وتغريه. فهذه القابلية للاستعمار هي التي تستدعيه وتمكن له. “فالتدهور والفساد الروحي، هو الذي يجلب على نفسه عوامل الانهيار التي يجلبها عليه غزو خارجي تماماً كالمنتحر الذي اعتدى عليه خصم له، عقب شروعه في الانتحار، فجاءت وفاته نتيجة ما أصاب به نفسه لا ما أصابه من خصمه، إن أقصى ما يفعله الغزو الخارجي هو توجيه ضربة قاضية إلى مجتمع يلفظ أنفاسه الأخيرة”، كما أوضح ذلك أحد الدارسين.
لقد جاء في كتاب “العبودية المختارة” للكاتب “إتيين دي لا بواسيه” عام 1562، إن أثينا أرسلت رسولين إلى فارس، فلما دخلوا الحدود، استقبلهم الوالي هناك فأطعمهم وأكرمهم، ثم قال لهم: لماذا لا تتحولون إلى عبيد سيدي الشاهنشاه. فنظر الرجلان بتعجب لعرض الفارسي الذي قدمه بكل حرص وسخاء. وقالا له: إنك لم تذق طعم الحرية بعد. ولو ذقتها لقاتلت عنها بأظافرك وأسنانك. وكل شرح لشيء لم تذقه لا يقربك من المسألة إلا بعدا عنه.
وهذه اللقطة، إنما توضح سيكولوجيا الاستعمار والمستعمر معا. وهي تشرح لنا استعباد طاغية بغداد لأهل بغداد وإذلال أهل المغرب للمغاربة وهلم جر. هؤلاء يسميهم مالك بن نبي “أناس ما بعد الموحدين”، أي ما بعد الانحطاط. والقابلية للاستعمار ينعتها الباحثون بمرض عام يتخلل كل المستويات والطبقات الاجتماعية والجنس والعمر. وهنا يحضرني شرح بارع لهذه الظاهرة: “يظهر ذلك بين الموظف ورئيسه، والمرأة والرجل، والطفل والأستاذ. ومنظر الشرطي وهو يصفّر لقائد السيارة وكيفية اقترابه منه في مشية “الغوريلا” مباعداً بين رجليه رافعاً بطنه للأمام ورقبته للخلف وقائد السيارة المضطرب الممتقع الذي يتزلف بالكلمات والرشوة والحلف بأغلظ الأيمان يفتح عيوننا على الواقع الاستعماري اليومي.”
القابلية للاستعمار عند الشعوب كما سبق لي أن قلت ليست حتمية. فهي تشبه القابلية للانكسار في الزجاج. لقد رسخ في عقول البشر أن الزجاج من خصائصه الانكسار ولكن صناعيا، أمكن تصنيع زجاج غير قابل للكسر بتغيير مواده الأساسية بطرق صناعية. فكذلك المجتمع، قد يكون قابلا للاستعمار ويمكن، عن طريق التربية، أن نوفر فيه ما به يرفض الاستعمار. ومما لا بد منه في هذا السياق العمل على تحرير الوعي وإرجاع الإنسان من الموت إلى الحياة. جاء في القرآن الكريم: « أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها”.
مما يحكى عن حسني الزعيم أحد الشخصيات الانقلابية في سوريا، إن وفدا من أعيان دمشق أراد زيارته للتحاور معه في بعض الشؤون السياسية، فدخلوا عليه وهو يصيح في التلفون: “إذا لم يمتثل للأمر فقوموا بإعدامه فورا. ثم التفت إليهم وقد ابيضت وجوههم من الخوف. وقال: أهلا وسهلا وألف ألف مرحبا، ماذا أستطيع أن أفعل لكم؟ قالوا: عفوا، نحن جئنا لنبارك لك العهد الميمون ونتشرف بلقاء شخصك العظيم. قال لهم: شكرا لكم ارجعوا إلى قومكم موفقين. ثم التفت لمن حوله بعد انصرافهم وهو يضحك ملء شدقيه: “شعب مثل هذا يناسبه حاكم مثلي”.
مما سبق يتبين أن ظاهرة القابلية للاستعمار موجودة في الإنسان وهي شرط أساسي في عملية الاحتلال. من علاماتها ما عندنا من مشاعر الانهزامية والتبعية ولغة التخاذل التي أصبحت تتخلل خطابنا على العموم.
وهنا نطرح سؤالا: لماذا فشل أو - بالأحرى- تأخر الفيلسوف مالك بن نبي في الإفهام والإقناع وإيجاد المناصرين لفكرته في أوساط المسلمين: والجواب إنه طرح الفكرة متقدما على زمانه لتخلف المجتمعات الإسلامية ثم لأنه كان يخاطب الناس بلغة غير لغتهم، إذ ترجمت أفكاره خطأ. يضاف إلى كل ذلك أن المسلمين لا يقرؤون في العصر الحديث.
مداخلة لأستاذ بشير خلف
أستاذنا الفاضل الباحث فارس بوحجيلة
إنني لشاكرٌ لكم هذا الجهد المتميّز في إلقاء الضوْء على شخصية من شخصياتنا المتميّزة، والذي لم ننصفْه ونعطه حقّه ومكانته إنْ في حياته، وإنْ بعدها ولا شكّ أن مبادرتكم هذه التي أعادته إلى الساحة الفكرية في عقْر داره لجديرة بالثناء والشكر لكم ولمجلة” أصوات الشمال ” الرائدة ومنْ يشرفون عليها.
إن أفكار مالك بن نبي لم تمت، ولا أحسب أنها ستختفي ضمن زوايا التاريخ، وحتّى وإن لم يقيض لها من يتبنّاها في مرحلتنا هذه، فإنها تأكيدا سيأتي منْ يدافع عنها ويعمل على بلورتها عمليا وفق مرحلة تطبيقها.
في اعتقادي الشخصي، أن كاتبا ومفكرا وفيلسوفا إسلاميّا في مرتبة مالك بن نبي في زمنه، وحتى بعده أحقّ بأن ليس فحسب تُدرس كتاباته، وتفهم آراؤه، وتحلل أفكاره، وتتخذ مسلكا في البناء الحضاري الشامل..بل أن تُوجد نخبٌ في العالم الإسلامي تدافع عنها وتسعى مخلصة من أجل تنفيذها. لقد مضى على رحيله ما ينيف عن الربع قرن، غير أن كتاباته لا تزال تحمل في طيّاتها نبض المشكلة الإسلامية التي هي بمثابة أمراض تفشّت، ومظاهر سلبية، وسلوكات منحرفة تأصلت فيه.. يراها المفكر مالك بن نبي في عناصر قيّدت الإنسان المسلم ولا تزال منها :
1 ـ التسامي المتدين.2 ـ التعالم .3 ـ اللا فعالية .4 ـ الانفصالية.5 ـ ذهان السهولة.6 ـ ذهان الاستحالة.7 ـ التكديس.8 ـ الحَرفية( من الحَرْف).9 ـ اللفظية.10 ـ الفخر والمديح.
إن هذه الأمراض لا يسمح المجال بالتوغّل فيها تباعًا، إلاّ أنها لا تزال تسود أفكارنا وسلوكاتنا في حيواتنا، وإنها لعمري ما تغيّرت منذ أن كان هذا المفكر بين ظهرانيّنا ولا أظنها ستتغيّر ونحن على ما نحن عليه من الذلّ والهوان، و( القابلية للاستعمار) بالمفهوم المعاصر للاستعمار.
وإذا اعتبرنا الإطار العام لفكر مالك بن نبي هو ” مسألة الحضارة ” فإنه عنْـون جميع مؤلفاته تحت شعار كبير هو” مشكلات الحضارة” ، حيث الصراع الدائر في العالم صراع حضارات بالدرجة الأولى، فالأمم صارت تُقاس بمدى نجاحها،وتفوّقها في مختلف المجالات، لا بمدى استهلاكها لمنتجات غيرها، وهذا هو واقع العالم الإسلامي اليوم سيّما الأمة العربية وهو ما يطلق عليه مفكرنا بـ ( التكديس).
إن تلكم الأمراض التي ذكرناها آنفًا والتي لا تزال متفشية بنسبٍ كبيرة وبدرجات متفاوتة في عالمنا الإسلامي لا تسمح البتّة للإنسان المسلم كي يتحرّر، وينطلق مساهما وبفعالية في ولوج الفعل الحضاري منتجا، وليس مستهلكًا، ولا أعتقد أن الإنسان المسلم يجهل أسباب الإقلاع، إنما هو اللافعالية، وذهان السهولة، وذهان الاستحالة،والتكديس، واللفظية هي من أسباب السقوط، والعجز عن الإقلاع.
إن الأسئلة الثلاث التي طرحتموها أستاذي الفاضل لمهمّة، وشخصيا أرى أن الفشل لا يعود إلى الأفكار في حدّ ذاتها بقدر ما يعود إلى :
1 ـ البيئة السياسية والاجتماعية، وحتى ( المجتمعية) وأقصد المجتمع الجزائري ما كانت مهيّأة لمثل هذه الأفكار، فما بالك بتطبيقها.
2 ـ النخب التي تولّت التسيير والقيادة في جزائر ما بعد الاستقلال نُخبٌ مفرنسة، ومستلبة فكريا وأصلاً هي معادية لكل ما هو إسلامي، تمفصلها في كل دواليب الدولة سمح لها بإحباط كل مسعى يصبّ في هذا الاتجاه.
3 ـ إن الإيديولوجية الاشتراكية التي تبنّتها البلاد، والكثير من النخب سيّما السياسية منها كانت ترى أن كل فكرة، أو رأي يتفق مع أفكار مالك بن نبي، أو غيره، أو يُشتمّ منها رائحة روحانية لهي في رأيهم ” إسلاموية ” وتعادي الثورات الثلاث التي كان شعارها مطروحًا يومذاك.
4 ـ إن مفكرنا الكبير كان مُحارَبًا ومضايَقًا ممّا لم يُسمح له بأخذ مكانته في الجامعة الجزائرية بعد الاستقلال، كأستاذ مؤثر تتلمذ عليه الكثير من الطلاب الذين سيأخذون أماكن حسّاسة فيما بعد ضمْن دواليب الدولة حتى يتمكّنوا من تجسيد أفكاره عمليا، فأغلب تلاميذه هم الذين كانوا يحضرون ندواته طوْعًا خارج الجامعة.
5 ـ والغريب أن الذين يدافعون عن أفكاره منذ أن كان على قيد الحياة، وحتى بعد رحيله سواء أكانوا في الجزائر أم خارجها لم يتمكّنوا من تولّي مناصب حسّاسة بإمكانها تنفيذ ولو القليل من هذه الأفكار، إلاّ حزبًا واحدا عندنا في الجزائر برز أثناء التعددية الحزبية في أوائل التسعينيات كانت أفكار مالك بن نبي تتغلغل في برنامجه الثقافي أثناء الاستحقاقات الانتخابية، وبرزت أكثر أثناء ترشّح رئيسه للانتخابات الرئاسية، وسرعان ما غيّبت بغياب هذا الحزب من الساحة الوطنية.
6 ـ غياب النخب الثقافية العقلانية النقدية التي تؤمن بالرسالة التنويرية التي توازن بين المادة والروح، وتعطي الأولوية للجانب الروحي كمحفّز، وكـمُلهمٍ ..حيث هذه النخب غير متواجدة في المواقع الاستراتيجية، واتخاذ القرار السياسي العملي في الميدان..فالموانع التي أعاقت المفكر مالك بن نبي في حياته هي نفس الموانع التي وقفت في وجه المفكر والمثقف العربي في الجزائر حيث أُبعد وأبقي عليه إلاّ فيما لا يشكل خطرا عل النخب المستلبة، والتي بيديها كل شيء ..ولا نعدم البتّة تواجد بعض النخب في مواقع مهمّة إلاّ أنها دُجّنت، أو دجّنت نفسها بفعل مغريات المنصب، وبريق الامتيازات، فآثرت السكينة، و” يا جبل ما يهزّك ريح”.
في الحقيقة وبناء على ما تقدم فإن الفشل في إحداث التغيير لا يعود إلى الأفكار في حد ذاتها إنما يعود إلى أسبابٍ بعضها مذكور آنفًا وبدرجة كبيرة، وبعضها يعود إلى عوامل إقليمية وعالمية هي بالمرصاد دوما لكل مشروع إسلامي عقلاني، حضاري..
إن مشروع ابن نبي يجد صعوبة تطبيقه توًّا في خذلان الإنسان المسلم الذي استكان، وسلّم أمر قيادته لقوّى تكالبت على العالم الإسلامي، وصارت تستهدفه، بمبرّر وغير مبرّر، إذ كل ما يرمز إلى الإسلام هو حرْبٌ وإرهابٌ ضدّ الآخر هذا من ناحية، كما أن أفكار مالك بن نبي في قرارة نفسي لا تزال صالحة لبعث وثبة حضارية إذا ما راعت المستجدات المحلّية، والإقليمية والعالمية، وإذا ما قُيّض لها رجال يؤمنون بها، وبفعالياتها، ويتمفصلون في مواقع القرار المؤثر..وما عدا ذلك فهي صرخات في وادٍ، لا تسمن ولا تغني من جوع.
وفي كل الحالات فإن مالك بن نبي المفكر والفيلسوف يبقى مفخرة للجزائر والعالم الإسلامي، مثلما هو العلامة ابن خلدون، وأفضل ما ننهي به مداخلتنا هذه ما قاله فيه المرحوم الأستاذ أنور الجندي في كتابه : ( الفكر والثقافة المعاصرة في شمال إفريقي) :
"مالك بن نبي يختلف كثيرا عن الدعّاة المفكرين، والكُتّاب، فهو فيلسوفٌ أصيلٌ له طابع العالم الاجتماعي الدقيق الذي أتاحت له ثقافته العربية والفرنسية أن يجمع بين علم العرب، وفكرهم المستمد من القرآن والسنّة والفلسفة، والتراث العربي الإسلامي الضخم، وبين علم الغرب وفكرهم المستمدّ من تراث اليونان، والرومان، والمسيحية."
القابلية للاستعمار عند مالك بن نبي، قراءة جديدة.

(يتبع)

http://montada.echoroukonline.com/showthread.php?t=145983
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://benabbimalek.forumalgerie.net
 
ندوة مالك بن نبي الالكترونية (02)
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى مالك بن نبي فيلسوف الحضارة المعاصر :: الفئة الثانية :: ندوات ومحاضرات إلكترونية عن مالك بن نبي-
انتقل الى: