منتدى مالك بن نبي فيلسوف الحضارة المعاصر

مالك بن نبي مفكر جزائري عالمي معاصر تمكن بدافع حماسه الإيماني العميق وبفضل تمكنه من المنهج العلمي المعاصر من تشخثص مشكلات الحضارة الإسلامية خاصة ووضع الحلول المناسبة لها ..
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 "لبَّيْك: حجُّ الفُقَرَاء".. بَاكُورَة أَعْمَالِ مَاِلك بن نبي وزادُ مسَارِه الفكْريّ

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبد المالك حمروش
مدير عام
مدير عام
avatar

عدد المساهمات : 352
تاريخ التسجيل : 14/04/2013

مُساهمةموضوع: "لبَّيْك: حجُّ الفُقَرَاء".. بَاكُورَة أَعْمَالِ مَاِلك بن نبي وزادُ مسَارِه الفكْريّ   الخميس نوفمبر 21, 2013 11:35 am

"لبَّيْك: حجُّ الفُقَرَاء".. بَاكُورَة أَعْمَالِ مَاِلك بن نبي وزادُ مسَارِه الفكْريّ



الاثنين, 31 أكتوبر 2011 06:57 عائشة الحاج داود نجار[/size]









بينما كنت أتجول في معرض الكتاب لم أستطع إخفاء دهشتي وأنا ألمح من بعيد اسم «مالك بن نبي» في كتاب وتحته كلمة «روايـة»، دون أن أعرف كيف شدّتني فكرة المزج بينها وبين اسم الفيلسوف، فبدأت أحاول كالملهوف أربط بينهما بنوع من التركيب ثم التفكيك ثم التركيب من جديد، لأستوعب اسما لأديب جديد أم نوعًا جديدا وأسلوباً فريدا للمفكّر مالك بن نبي..ثم أكتشف فيما بعد أنّها الرواية الوحيدة التي أبدعها يراع بن نبي، إلّا أنّها بقيت مدفونة حبيسة الأدب الفرنسي لأكثر من ستين عاما، ولم تر النور إلا بعد أن عثر عليها الدكتور زيدان خوليف وتولّى نقلها إلى العربية سنة 2009م.

«لبَّيْك»[1] هي رواية قصيرةٌ في حجمها بسيطةٌ في نظمها، ليست ذات مكانة تذكر في عالم الأدب الرّوائي كما ينعتها أصحاب الأدب، اللّهم إلاَّ لمن يستهويه أن يعرف طريقة وأسلوب مفكر عملاق في فلسفة الحضارة، وهو يحاول أن يمارس فن الرّواية، التي لم يخترها إلّا لتكون لسانا يترجم به ما تجود به قريحته من الأفكار، لكنّه سريعاً ما أدرك بعد هذه المحاولة أن الرّواية ليست مما يصلح له فتركها إلى غير رجعة، إذ الرّواية لا تمنحه الحريّة لزِحام الأفكار، حين تشغله عن ذلك بصنع الشّخصيات والأحداث والتّفاصيل وبالصّور والخيال واللّغة والنظم، فلعلَّها أثقلته وعرقلت عمق تفكيره فتركها..لكنّا إذا تأمَّلنا العمل قياساً على نجابته الفكريّة وإبداعه التّنظيري سنجد أنّه مغامرة متعِبةٌ تجشّم لها بن نبي للتّنقل بين طرفي الموهبة.

لقد أخذني الفضول لا إلى الاكتفاء بقراءة هذه الرواية فحسب، وإنما كذلك لمعرفة ذلك التّصور الفلسفي للوعاء الذي أنتجها، وهذا ربما قد يتطلّب إمعانا وتمعّنا في غايات ومقاصد الكاتب قبل الاستمتاع بالحُبكات الفنية في روايته، خصوصا وأنّك بصدد القراءة لمفكّر في الحضارة، إمعانٌ يجعلنا لا ننفكّ نتساءل عن أيّة معان هي التي يريدها بن نبي أن تصل إلى قارئه عبر هذا الأسلوب الأدبي الذي لم نعتده عليه.

أمّا ما دفعني إلى الكتابة عنها هو ما هالني -من قراءاتي الأولى عنها- قلّة الضبط في الرّبط بينها وبين مشروع بن نبي الحضاري، حين يتناولها قرّاؤها أو الذين يكتبون عنها مخرومة عن الوسط الذي ولدت فيه، ويعاملونها كما تعامل الروايات ينشغلون بحبكاتها الفنيّة وتسلسل أحداثها، بشكل يجعل الأديب أو الروائي يتناولها ويفهمها بمنظور مفصول عن كاتبها ومراده وأحلامه وآماله، بل إنّه قد لا يتوانى أن يغمطها حقّها ويبسط كلاما طويلا عريضا في نقد أسلوبها وطريقة الكاتب في حبك أحداثها …غافلا عن أبعادها الحضارية العميقة، وقد يكون عذر المهتم بفن الرواية أنّه يتناولها من منطق اختصاصه واهتمامه، لكنّا نجد أنّ غيره ممن اهتمّ أيضا بفكر بن نبي وكتب عن الرواية عالجها هو الآخر أيضا بعيداً عن عمق مشروعه في بناء الحضارة، وهذا ما جعلني أكتب عنها ما قد يعين على أن يجلي هذا الخفاء، ويعيد لها مكانتها، كجزء لا يتجزأ من بنائه الفكري في «سلسة مشكلات الحضارة»، ولو أن هذا يقتضي ربما إحكام فكر بن نبي وربطه بالتغيّرات التاريخية التي عاشها ومتابعة التطور الكرونولوجي لأفكاره…إلا أنّ المحاولة المستوعبة بشكل بسيط لكل هذا لا تمنع من تجربة ذلك.

إذن فمن الواضح هنا أن دافعي ليس للكتابة عن الرواية فحسب، وإنّما للعودة إلى الرّواية مرة أخرى فأعيد قراءتها لكن على ضوء فكر مالك بن نبي عن طريق الكتابة، كي أشارك بها المعنى الذي اختاره مالك ليخطّ من خلالها رسالة يبثها إلى الجيل الجديد؛ و على إثر إنجازي القراءة الثانية «كتابةً»، مُحاوِلةً الوقوفَ عند الأفكار التي اختارها «الذي استقى قبسًا من النُّبوّة» موضوعا لروايته، فإذا بي أجدُني أدخل في مغامرة ٍأخرى توازي المغامرة التي أدخلتني فيها القراءة الأولى، ووجدت نفسي أسير مسارين المسار الذي خطَّه الكاتب للرّواية في أثناء حدوثها، ومسارا آخر ستنتجه لي بعد أن أتمّ قراءتها، فتعينني لأدخل في مشروع بن نبي من منظور الرّواية، كما من بوّابة البحث في سرّها، الذي بدأته بسؤال، ربما هو أول ما سيستوقف القارئَ لها، خصوصا المهتم بالفكر البنُـ-نبويّ، سؤالٌ ربما تحمل الرّواية إجابة عليه بين طيّات أحداثها أو على لسان شخصيّاتها، و ربما قد تتركه يتخبط في امتداداته البعيدة باحثا عن جواب ما وهو: لماذا كتب بن نبي مثل هذا العمل الذي يغرق بالبساطة والعفويّة، بقدر ما يغرق بالعمق والتأمّل و خصوبة المعاني الحضاريّة التي يمكن أن تتوالد من أجنّته؟

ربما يكون السُّؤال ساذجًا كأن نسأل المجنون لماذا جنّ؟ أو أن نسأل الكائن البشري لماذا يتنفّس؟ أو أن نسأل الطِّفل لماذا هو طفلٌ؟! غير أن هذه السَّذاجة سريعا ما تلبثُ أن تختفي عندما ندرِك فحوى السُّؤال الذي يقودنا إلى اكتشاف عمق التفكير الفلسفي عند مالك بن نبي وهو يصوغ رواية أدبية، حيث تذهب بك أفكاره من خلالها حيث يريدها أن تصل دون أن تشرد في الطريق؛ أهمية هذا السؤال هو ما جعلني لا أعدم جهدا يقودني للبحث عن سبب كتابة هذه الرواية؟ وزمن كتابتها؟ وأين كتبها؟[2] وفي أيّ مرحلة من فكره اقتبسها منه؟؛ ولماذا اختارها ليؤسّس بها «عالم الأفكار» الذي أبدع في نظمه عبر حلقات سلسلته في مشكلات الحضارة؟!

هذا إضافة إلى كون أحداث كثيرة تمرُّ على بن نبي لكثرة احتكاكاته بالبلدان العالميّة المستعمَرة منها والمستعمِرة، تجعله يشهد مواقف كثيرة من مثل هذه، لكنّه لم يقصّها علينا في روايات، فنحن قد عهدناه من خلال كتبه ، وفي طرحه لأفكاره يسوق أمثلته الكثيرة من الواقع، ما أمكن لها أن تحدّد كثيرا من مواقفه، فما الذي جعله يختار هذه الأحدث بالذّات، موضوعا لرواية أمكن لها أن تتخطى الواقع لتصل إلى ما وراء الواقع وتتخطّى المباشر لتصل إلى المجرّد الذّهني أحيانا والفلسفي ؟، وما هي المعاني العميقة التي يمكننا أن نتنبّأ من خلالها كيف انطلقت رؤية بن نبي الحضارية و هو يدخل إلى عالم التفكير والفلسفة في الإنسان والنّهضة و الحضارة؟

إذن فالسؤّال الذي انطلقنا منه بدايةً، ليس من باب الاستفهام السّاذج أو من باب المماحكة الكلاميّة وإنما هو من باب المعرفة الأعمق بهذا العمل الذي يؤسّس ربما للغة جديدة لم نعهد بن نبي يتحدّث بها. ولربما قد يكون استيعابُ أجوبة تلك التّساؤلات التي تفرعّت عنه خيرَ معينٍ لنا في افتكاك المغزى الذي انطلق منه لحبك  روايته الفاتحة لمشروعه البنـ-نبويّ، وذلك هو المسعى الذي سننتهي إليه من خلال هذه المحاولة.

إنّ أوّل ما يكسب قصّة «لبَّيْكـ» أهميتها ضمن مشروع بن نبي أنّها كانت من بواكير أعماله، بزغت في أعقاب «الظّاهرة القرآنيّة»[3] في لحظات إشراق إبداعاته لترسم الطّريق والاتجاه بعصر جديد يكتبه الجيل القادم، الذي بقي متشبّثا بأصالته يستبطن البواعث في قيم الرّسالة مع «الظّاهرة القرآنيّة» التي كانت -كما يقول بن نبي في شهادته على القرن- أوّل إنجاز علميّ وأدبيّ مقاوم للاستعمار مؤسّسٍ لمفهوم البداية في أفق النّهاية، باعتبارها المنطلق في البحث العلمي المفضي إلى الثّقة بالمصدر العلويّ المطلق للقرآن الكريم، الهادي لنور الاستقامة في شخصيّة المجتمع كما في بناء عالمٍ جديد بعد انهيار عصرنا الحاضر، هنا تأتي بعدها «لبّيك» خطاباً جديدا لرؤية المسلم في مساحة الإنسانيّة[4] كما يصفها بن مالك الرّوحي[5]، وفتحا مبينا لـ«سلسة مشكلات الحضارة»..العمل الذي اعتبره بعض القراء غريبا عن الأفق الوضَّاء الذي خطَّه لـ«الظّاهرة القرآنيّة»، إلّا أنّه جسّد وبكل عمق آمالها ومراميها وبرهن على صوابيّة وفاعليّة أفكارها، مستمدّة مجراها من واقع الأحداث على السّاحة العربيّة في العالم الإسلامي، الذي حرص مالك على تشريحه بمبضع الطّبيب، الذي يحترم مريضه دون أن يشفق عليه فيهلكه، مستعينا بمختلف التحاليل التي يجريها على الأحكام التي يصدرها المجتمع على تفسير الأحداث، ليحدّد نوع المرض الذي يعانيه المجتمع، ومكانه ومصدره، ويحلل أسباب نهضته أو انحطاطه من خلال «سلسلة مشكلات الحضارة».

في هذه النقطة تحديدا يعود الذي اقتبس من النّبوّة على بدء ليسأل مجدّدا لكن هذه المرّة بنموذج عمليّ عن العامل الذي يحدث تغييرا مفاجئًا ويسبّب نهضة أو انحطاط مجتمع؟، سؤال سوف يتكفّل بتفصيل الإجابة عنه نظريّا أول كتاب سيصدر بعد هذه الرواية، محددا من خلاله «شروط النّهضة»، لكنّه قبل ذلك اختار بن نبي «لبَّيْك» أمثولة ونموذجا يجيب بها عن هذا السؤال العميق بشكل عمليّ، ليجلي لنا هذا العامل انطلاقا من ذلك النِّداء العجيب الذي ينبجس منذ أربعة عشر قرنا داخل أعماق النُّفوس، ليؤثر غالباً في البُسطاء من النَّاس، الضُّعفاء إلى الله الفقراء إليه، الذين يعدمون سبل الوصول إلى أداء هذه الشَّعيرة، وتجعلهم يحنّـُون كلَّما سمعوا نداء «لَبَّيْك» إلى وادٍ بعيد غير ذي زرع، حيث ترك إبراهيم الخليل ذريَّته ليعبدوا الله.

إنّها الصورة التي كانت حلمًا رآه بطل الرّواية (إبراهيم)عندما وقف مع الحشود التي تنتظر عودة الحجيج وشاركهم دعواتهم وقد غمره دون أن يعي الشعور الذي يخالج ذلك الحشد، لأنّه كان حينها مخمورا.. وهو يرى نفسه في لباس الإحرام يطوف حول الكعبة، في ذلك المشهد الذي أعان على تصويره وهو يؤدي مناسكه، مخيالٌ يعتبر جزءا من ميراث عائلته المسلمة، أعاد إليه تلك الروح الصوفيّة التي ورثها عن أسلافه.. حلمٌ تركه في حيرة من أمره، حين انتهى بمجرد استيقاظه من النّوم ليجد نفسه سكيرا لازلت الأنفاس الأخيرة للخمر تنبعث من فيهِ؛ إنّه نفس  الحلم الذي سيشهد إبراهيم تحقّقه في الواقع بعد التجربة التي عاناها في دواخل نفسه التي أنبتته على الآثام والتي تركت كلّ تلك التعرجات في حياته ..إنّها تجربة التغيير التي ودّع من خلالها تلك الحياة المادية المزرية التي كان يعيشها بعدما اقتلع قناع (بُوقَرْعَة[6]) الذي لا يحتمل، لكي يعود بكل بساطة إلى شخصية (إبراهيم)؛ ثم إلى شخصية (الحاجّ إبراهيم)، بعد قراره في خوض تجربة الحجّ إذ سيشهد فيها (مَنَـٰفِعَ) له، فتكسبه شعورا بالتّغيير النّفسي الذي أحسّ به وهو يصعد في عبّارة الحجيج التي اعتبرها منقذته من عالم القذارة الذي تنصل منه وكأنَّه تخطى مع العتبة الأولى عتبة عالم جديد مطلقة زفرته “الحَمْدُ لِلَّه”.

هذا ما تحكيه الرواية ببراعة وإتقان، ليبدع راويها في التصوير الرمزي بطريقة أو بأخرى حال الأمّة الضائعة، وهي تتلمّس طريق الهداية، وتخطو خطوات البداية بصفاء نيّة وإصرار على الوصول.. إنها الخطوات الأولى لتباشير الصبح الجديد الذي يأمله مالك بن نبي للعالم الإسلامي بعد أن نزع عنه لباس الاستعمار، والذي حرص من خلال فكره في البحث عن كل ما يمكن له أن يتلقفها لينهض بها من كبوتها المزمنة، لتدخل من جديد في مضمار الحضارة.

فـ(العمّ محمد) رمز يمثّل الأصالة المتجذّرة في الأمّة، ويمثل (إبراهيم )مع انحرافه عن الطريق السليم، الجيلَ الذي احتكّ وعايش المجتمع الأوربي وتورّط بمعطيات حضارتهم وتداعياتها، التي تركته في حيرة من أمره. فما تعلمه صغيرًا وغاص في أعماقه لا يتناسب بما يطفو على السَّطح مع أحاسيسه العميقة وما يحرّكه فيه مخياله. إنّه الفراغ الذي يعانيه كل امرئ غير مقتنع بعقيدته ومقوّماته الأخلاقية أو كان قد تلقّنها عن طريق العادة والتّقليد، لكنّه استدرك الأمر وأدّى إبراهيم فريضة الحج، وهو ما يدلّ أنه مهما حاد المؤمن عن سواء السبيل، فإن إخلاصه لابد أن يعيده إلى الهداية وإن طال زيغه[7].

كما كان للنّشئ المتمثّل في شخصيّة (هادي )ضوءًا خاصّا اهتمّ بن نبي بإلقائه على شريحة من المجتمع ما فتئ ينادي بأن تكون بمثابة رأس الحربة في كل عمل نهضويّ[8]، في مشهد أراه جديرا بالقراءة العميقة والمتأمّلة، وهو يصوّر لنا تلك العزيمة التي دفعته لينقل نفسه من ولد مشاغب – يراهن أصحابه المشردين أمثاله على أنّ الفقراء بإمكانهم أداء شعيرة الحج- إلى فتى يملك كامل الاستعداد ليصبح رجل حضارة، وهو ما استطاعت أن تترجمه تلك التَّنهيدة التي أطلقها (هادي) متأسِّفاً على انقضاء أول صلاةٍ له كان يريدها أنْ تدوم إلى الأبد، كما في انتظاره لحلول وقتها كالتلميذ الذي ينتظر موعد الاستراحة بفارغ الصبر فنموذجي هادي أو إبراهيم؛ يبيّنان وبعمق كيف أن رجل الفطرة حين يتحرّك ويأخذ طريقه، لكي يصبح رجل حضارة، فإنه لا زاد له كما بيّنه تفصيلا مالك في «شروط الحضارة»[9] سوى التُّراب، والوقت، وإرادته لتلك الحركة، الإرادة التي بدت بوضوح مع شعور إبراهيم وذلك الخوف الذي انتابه عند رؤية عمال مراقبة العبّارة، من أن يكون غير مستوفيا للشروط فيحرم من رحلة التغيير التي صمّم على اقتحامها.

ولم ينس مالك أن يشير إلى وضع المرأة الجزائرية، فـ(زهرة) زوجة ( إبراهيم) وعلى ما عانته من ويلات وعربدات زوجِها الليلية وسلوكه غير السوي الذي كان يعذّبها خاصة بعد انتقال والديه إلى الرفيق الأعلى، إلّا أنّها بقيت تكِنُّ له كل الاحترام، وتتمنى له الخير والهداية[10]، وفاءا لوالديه اللذين أوصياها بابنهما وهما على فراش الموت، إلّا أن تماديه في سلوكه بصورة مستمرة، جعلها تحسم حياتها التي لا تحتمل وتترك أمره للعم محمد ويتولى الاهتمام به. كما كانت “مسبحة أم إبراهيم” تمثّل بالنسبة لها الرّصيد الثّقافي المتوارث عبر الأجيال،..ما جعلها تحتفظ بها وترسلها لإبراهيم عندما قرّر الحجّ، لتعيد إليه ذلك المخيال المتوارث كلما استشعر بحبّاتها بين يديه. “المسبحة” التي أعادت إلى إبراهيم نداء الذّكريات العائلية التي حفرت في نفسه قيم دينه وأمته ومجتمعه.

ناهيك عن الأبعاد الاجتماعية للرواية، والتي قد نلمسها في «شبكة العلاقات الاجتماعية» التي تعرّف عليها إبراهيم في المركب، نجد فيها مختلف شرائح المجتمع بمختلف مستوياتهم وخلفياتهم وجنسياتهم، وتوثق أسلوب حياتهم في حقبة من الحقب، بالرغم من أنّ روايته جزائرية في أغلب أحداثها، هذه الشبكة التي اهتم الكاتب بإتقان وحرص على إبرازها وإظهار مدى التعايش الذي كانت عليه، في مشاهد تصوّر لنا مدى صفاوة ونقاء شبكة العلاقات الإنسانيّة في عفويتّها وبساطتها، كما أراد أن يبديها لنا من خلال ما كان يقصّه علينا في شهادته، تلك الرّوح الجزائرية التي لم تختفِ من كتاباته فهي دائما حاضرة وإن كان يكتب للعالم الإسلامي لكنه ظل نموذجا في أصالته ووطنيته، حين استهل أدبه وتراثه الفكري بـ«لبَّيك» واختتمها بـ«مذكرات شاهد على القرن» المترجمين لروح بن نبي الجزائرية .

وضمن هذه الشّبكة الاجتماعيّة لم يفوّت بن نبي فرصة تصوير مشهد يلفتنا فيه إلى «عقيدة الآخر»[11]، فالحوار الديني الذي دار بين إبراهيم بثقافته الضّحلة مع البحّار الفرنسي -الذي تطفل على الحجاج، بفضول دفعه ليعرف شعورهم- ثم تكفّل بإنقاذ مساره أحد المثقّفين الجزائريين بعد أن فقد إبراهيم القدرة على ذلك، وكأنّه يريد أن يعبِّر عن غيرته في الدّفاع عن دينه ولو بأجوبة عفويّة. فعكس هذا المشهد كما يرى فيه مترجم الرواية (زيدان خوليف) ذلك الجوّ الودّي المتفاهم بين المسلم ومخالفه في عقيدته، على اختلاف المبادئ ووجهات النّظر[12]، لكنّنا نجده كذلك يعكس من جهة أخرى أهمّ ما شغل ذهن مالك آنذاك، وهو مشهد شباب الإسلام الذين استهوتهم المناقشة الخطيرة بين الدّين والعلم، الذي كان زبدة ما اهتمّ به في كتابه «الظاهرة القرآنية»، فاستخلص فيه من هذه النقاشات نتائج وثيقة أراد تبليغها للضمائر الأخرى[13].

كما أنّه ومع جدّية واستعجال الرِّسالة التي يودُّ أن يبعثها بن نبي إلى قارئه، إلا أنَّها لم تخلُ من بعض التَّنكيت والطّرافة التي هي خاصيّة امتاز بها الجزائري التّبسي[14]. التي تعبر في كثير من الأحيان عن هذا المجتمع وطيبته وبساطته وتلقائيتّه المعتادة.

أمّا ذلك الجزء الآخر من شخصيّة بن نبي الذي يبديه حينا ويخفيه أحيانا، والذي يتجلّى في أحاسيسه ومشاعره الفيّاضة والمعاني العميقة عمق الفكر الذي يحمله؛ وهو ما يظهر أنّه ليس كاتبا فحسب، أو عاملا في مكتب مكباً على أشياء خامدة من الورق والكلمات، كما يقول عنه صديقه الدكتور عبد العزيز خالدي، ولكنّه رجل شعر في حياته وتجربته الخاصّة بمعنى الإنسان في صورتيه الخلقيّة والاجتماعيّة، إذ مرت هذه المشاعر في أدب بن نبي حين منحها روحه ودمعه في المرحلة الأولى من شهادته، وهو ربما ما يتجلّى فيه بوضوح عندما سمع حديث والدته وذكرياتها عن الحجّ، دون أن تكون له القدرة على حبس دموعه فكان يتظاهر بالعطش ليخرج إلى الشُّرفة فيطلق العنان للدّمع، لتبدو هذه الأحاسيس هي التي قدّمت مادّة وموضوع روايته، لتكون عن شعيرة «الحجّ»، تلك الرِّحلة الرُّوحية، التي تعبّر عن هيام المسلم بالحرم، التي أرهف لها إحساسه وأمّه تحكي له عنها، كما ينقلها لنا في شهادته، واصفا طريقتها في سرد أحداث تجربتها في ممارسة هذه الشّعيرة التي هي جزء لا يتجزأ من المخيال الذي أراد تصويره في الرواية، قائلا: «فقصّت علي قصّة حجّها، بكل ما تحتاجه القصّة من تنوير في بعض نواحيها، وتظليم في نواحي أخرى، كما تتطلب قصّة يلتقي فيها عنصرا اللاّهوت والنّاسوت..وما قصة والدتي إلا إحدى القصص التي يتناقلها الحجّاج كل سنة يحملونها إلى الآفاق الإسلامية».[15]

كما كان مما يهدف له بن نبي من خلال هذا العمل كما أخبر به ناشره الفرنسي، وضع القارئ الأجنبي في أجواء الحجّ في الإسلام، وهو ما أبداه في روايته من فضول البحّارة الفرنسي وتطفّله عليهم بغية اكتشاف الشعور الذي يستقبلون به أداء شعيرة الحجّ، وهو الأمر نفسه حين أحسّ واستشعر ضرورته لمّا وجد زوجته الفرنسيّة تنتظره بفارغ الصّبر وهو عائد من تبسّة ليقصّ عليها قصص حجّة أمّه.[16]

أمّا المنهج الذي سلكه في الرواية، فنجد أنه يستمد أصوله وجذوره من تأمّله الطويل في غريزة التدين في فطرة الإنسان، فمن خلال هذا المنهج أمكن لمعاناة بن نبي أن تستلعن لنا وتقف ماثلة أمامنا عبر روايته، فكان ليبدي لنا من خلالها آثار فكرة قريبًا ماسيعلن عنها في أوّل كتاب يصدر له على أعقاب هذه الرواية، معتبرا أن الإنسان مسلوبَ الحضارة عديمُ القدرة على الإنجاز الحضاري إلا إذا تغيّر تغييرا جذريّا، نابعا من إرادته الحرّة[17]، ثم يخلص الرّجل في تحليله للفكرة الأساس هذه في بناء الحضارة، وديمومتها بأن الفكرة الدينيّة تشرط سلوك الإنسان حتى تجعله قابلا لإنجاز رسالة، أي حضارة، لكنها لا تكتفي بالوقوف عند هذا الحدّ، فهي تحلّ لنا مشكلة نفسيّة اجتماعيّة أخرى، ذات أهميّة أساسيّة تتعلّق باستمرار الحضارة، فالمجتمع لا يمكنه مجابهة (الصّعوبات)، التي يواجه بها التّاريخ كمجتمع ما لم يكن على بصيرة جليّة من هدف وجوده[18].. وهو ربما هو مافتح إمكان إشراق عنوان «أثر الفكرة الدينية في تكوين الحضارة»في فصل خاص في كتابه الموسوم بـ«شروط النهضة» في طبعته الثّانية التي جعلها خصيصا له؛ إذ نجده يفصل هذا الدور للدين في نشأة الحضارة وديمومتها، معتبرا أنّ دورة الحضارة –أية حضارة- لا تتم إلا حينما تدخل التّاريخ فكرة دينيّة معينة، وهو لا يقف عند هذا الحد بل نجده يعمق فكرته، وتحليله أكثر حين يبدي المغزى التي يبتغي استهدافه من خلال الرواية، وهو يحرص على تأكيد مؤثر الدين الذي يغيّر النّفس الإنسانية، حين يرى كما يقول في الكتاب «أنّ المسألة هنا هي أن نوضّح للقارئ كيف يتاح للفكرة الدينيّة أن تبني الإنسان حتى يقوم بدوره في بناء الحضارة»[19].

لكن ما يبدو غريبا لبادئ الرأي هو أنّ الفكرة الشّائعة التي استحوذت على فكر بن نبي وجعلت تعتم على ما بقي من أفكاره هي اهتمامه الشديد بــ«البحث عن أسباب الانحطاط والقابليّة للاستعمار»، فكيف يحرص هنا في روايته على الاهتمام والحرص بمسألة الهويّة وبالذات ما يمثله الفلوكلور الشعبي للمجتمع الجزائري كما أخبر به ناشره؟! وكيف يعوِّل عليها وهو الذي اعتبرها في نفس الوقت كما نعرفه وفي كثير من الأحيان من أسباب الانحطاط، وكانت أكثر ما وصف بها اِنسان مابعد الموحّدين، الذي ينبع جزء منه أي الانحطاط من تبعات تلك الهوية التي يمثلها هذا الفلكلور، متمثلا في ذلك التراث الوثنيّ الذي قد تبقى في أعماق الضمير الشعبي، الذي شكّلته القرون المليئة بخرافات الدّراويش؟!

ربما سيكون أكثر ما يعيننا على إزالة هذا الإشكال هو الإمساك بالخيوط الماورائية للرواية مع محاولة الربط بين القضيتين (التمسك بالهويّة من جهة ونبذ القابلية للاستعمار وأسباب الانحطاط من جهة أخرى) من خلالها على ضوء مشروعه.

لذلك فإننا  سنجد ومن خلال الرواية  أن بن نبي لم يصبّ اهتمامه بالهويّة، بقدر انشغاله وبحثه أكثر في أسباب الانحطاط، إذ فيها تطرّق بحسّه السّليم ومبضعه الحذر إلى القيم والتُّراث الذي يحرّك مجتمعًا كالمجتمع الجزائري وبيّن كيف يمكن لنا من خلال ذلك العالم الثقافي أن نصل إلى استعادة المجد القديم الذي افتقدناه، لكن دون أن يغْفل عن الإشارة إلى بعض الرواسب الثقافية في فلكلوره متجذرة في تراثه الشعبي، التي اعتبرها من أسباب انحطاطه ومن مسببات قابليته للاستعمار؛ التي كانت أساس اهتمام صبّه ضمن تحليل نسق « مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي» مطبوعها وموضوعها، ميّتها ومميتها، أصالتها وفاعليتها..، فمشكلته في النّهاية منذ انحطاطه مابعد عصر الموحدين هي مشكلة أفكار كما يقول في تضاعيف مؤلفاته، بها ينظّم خطاه في ثبات الأديم، ويدفع طاقته في مضاء العزيمة، ويشحذ وسائله في وثيق الانجاز؛ “فتراثه الذي ورثه من عصور الحضارة الإسلامية المطبوع الأصيل غدا أفكارا ميّتة، أما نماذجه الرّوحية فقد خانتها أفكاره الموضوعة التي خالفت عن نسق النّموذج المطبوع الذي أرساه العصر الأول”[20].

وبالتالي فهو لم يتوانَ في نقد الأفكار القاتلة التي كان يرى أنها تقف حجر عثرة أمام النهضة، وتلك التي تتواطأ مع المعامل الاستعماري وتسهّل له مهمّة التّحكم بمقدراتنا؛ من ذلك مثلاً انتقاده للزّردات الصّوفية التي كانت تخدّر العقل الجزائري وتربطه بالأوثان: «حيث كان الوثن يسيطر في ظل الزّوايا حيث أرواحنا المتسكّعة تذهب لالتماس البركات واقتناء معجزات الحجاب، وفي كل مرة تختفي فيها الفكرة يهيمن الوثن من جديد»..[21]، ومن هذه الأوثان التي اتفقت وأن بدت في روايته لجوء زهرة إلى (القزّانات)، تُجدّد عندهن الأمل في عودة إبراهيم إلى رشده، أو في استعمال جارة إبراهيم لـ(البوقالة) التي تنتظر منها فأل خير يحمل لها خبرا جديد..

كما كانت الحياة المادية التي يعيشها إبراهيم، والأخطاء التي ارتكبها، ولم يفطن إلى فداحتها، هي ما مثّل له بن نبي في حديثه عن الأفكار مطبوعها وموضوعها، بكونها الأخطاء التي تأكل من أسطوانة عالم الثقافة، وتودي به إلى الانحطاط، الذي يستمر إلى اللحظة التي يقف فيها لحن الأفكار، وتتلف الأسطوانة وتمّحي في نفس كل فرد، ويصبح الصمت تامّا، وتزول ردّات الفعل الحماسيّة وردّات الفعل الرّافضة للأصوات النّشاز، إنّه صمت الأفكار الميّتة[22]، فالأفكار الموضوعة حين لا يعود لها جذور في الغلاف الثّقافي الأساسي تصمت بدورها إذ لم تعد لديها ما تعبّر عنه، ثم لأنّها لم تعد تستطيع أن تعبر عن أي شيء.

والمجتمع الذي يعيش هذه الحالة حسب بن نبي يتفتّت لأنّه لم تعد له دوافع مشتركة، فكيف يرى شروط العودة به إلى الجادة من جديد؟، إنّه مع شرط إرادة الانسان للتغيير يضيف بن نبي أنّ إحياء عالم ثقافته المحشوّ بالأفكار المميتة كفيل بذلك، عن طريق أفكار أصيلة مطبوعة، وذلك عين ما التمسه كما قال لناشره أنّه يريد من خلال روايته هذه أن يمسّ “ذلك الجزء المهمّ من القيم والعادات الجزائرية التي لا تبعُد كثيرًا عن القيم الإسلامية”، ذلك الجزء النّابع من عمق الروح الجزائرية وشخصيّتها المنتمية إلى تراث الثّقافة والحضارة الإسلاميّة المنشدّة إلى منازل الوحي، وخصوصًا في تعاملها مع أعظم شعيرةٍ في الإسلام، وأكبر النُّسك التي يتقرّبون بها إلى الله وتترك فيهم من آثارها الرُّوحية العظيمة، ما يجعل كل النّاس تحترم الحاجّ .

بل إنه كان ليؤكِّد من خلال روايته شيئًا أكثر من ذلك، وهو أنّ هذه القيم بإمكانها أن تكون حامية ومنجية للشخصيّة ومكوّناتها، وهي التي ستحمي حضارتنا من الذّوبان والاضمحلال. ليعُدّ دور الدّين لا في أصالة فكرته ولكن في فاعليته التي تشدّ دائمًا أفراد المجتمع لتعيدهم نحو تلك القيم مهما ابتعدوا عنها، ومهما أثّرت فيهم دعوات الماديّة الفجّة، تمامًا كما حدث للحاج إبراهيم، فقد كان يمثل تلك العودة إلى الروحانية والصفاء بفعل نداء «لبَّيْكـ»، كما أشار إليها عمر مسقاوي في مقارباته موضحا تأثير كلمة كـ «لبّيْك» في روح المسلم: «حين تتقدم الرُّوح على مرامي النَّص تكتسب الأمَّة حصانة تراثها حتى في حالة ركوده. وتصبح المصطلحات المغموسة بزيت الإيمان تضيء في ظلمة الضبابيَّة واليأس، كما في نور التَّجدد والحياة. إذ الكلمات هي التي تستدعي روحها كتلك الرُّوح التي أنجبت في إبراهيم والمجتمع الفطري .. حين نادى المنادي من وراء الغيب: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَ لبَّيْك» فانهمر دمع الحنين في الفقراء في مصطلح الحج».[23]  

فيغدو هدف مالك الأخير من خلال «لبَّيْكـ» هو دفع المجتمع الإسلامي في مواجهة العصر الجديد أن يعطي لأصالة أفكاره فعالية تضمن لها النجاح. إنه مدعو لأن يستعيد تقاليده العليا ومعها حسّ الفعالية. كما يركز مالك هنا في عودة إبراهيم إلى الجادة، على إعطاء قارئه فرصة التأمل في هذه المرحلة من تاريخ المجتمع، حين يولد، أو حين ينهض، وذلك عن طريق تمسكه بالمبادئ التي شيدت البناء الحضاري الإسلامي، وهو ما أفرد له كتابا يبحث من خلاله العناصر التاريخية لـ« ميلاد مجتمع».

وخلاصة القول فإن مفكّرنا قد كشف عن مجموعة من الأسس التي ترسّبت في الوعي الجمعي لشخصية المجتمع المسلم، ودعا إلى أنّ من خلالها يمكننا التمسّك بالقيم الحضاريّة الإسلاميّة، لتذكّرنا الرواية بأنّ قيمنا وهويّتنا هي طريق نهضتنا، وأن عودتنا لتلك الأصول هي التي يجب أن ننطلق منها لرسم حياة جديدة وحضارة اتّصالية. وعليه فإن كاتبنا يكون قد أسهم بجلاء في تحليل عمق الروح الجزائرية المتّسمة في كثير من أبعادها برسوخ القيم، دون أن يغفل عن تفصيل ما اعتراها من سوءٍ أصاب إنسانها.

وبعد هذه البسطة التي استطاعت فيها رواية قصيرة وبسيطة لمفكر كبير أن تولّد كل تلك المعاني الحضارية العميقة إذ أعاننا على استكشافها ربطها بمشروعه الفكري، أمكن لنا أن نتأكّد أنّ مالكًا لم يبدُ أديبا يروي لنا قصة أدبيّة ويحبك أحداثها فحسب، وهو الذي ينعى على العرب انشغالهم بالنّظم الدقيق والكلمة الأدبيّة الأنيقة أو نزوعهم إلى الشعر، كوسيلة رشيقة مناسبة تخفي مواضع النقص والاختلال التي اعتبرها إحدى مساوئ إنسان ما بعد الموحدين[24]، هذا بالرغم من كون سعيه الأول في شبابه هو أن يغدو “كاتب قصّة”، لكنّه أبى إلّا أن يكون بدلا عن ذلك “صاحِب قضيَّةٍ يُدافعُ عنها” كما صرَّح بذلك لابنه الرُّوحي، ولستُ أرى في ذلك إلا رسالة يوجِّهُهَا إلينا، ويدعونا من خلالها إلى التَّضحية بطموحاتنا الشخصيَّة أمام قضايا الأمَّة وحضارتها، فنمو أمتنا محفوف بالصعوبات التي هي من علامات نموها كما يقول مالك بن نبي من خلال تأملاته في المجتمع العربي، التي إذا قدرناها فإنه ينبغي علينا أن نسلك إزاءها مسلك الطبيب أمام الأمراض، ونعرف أن مصدرها ناشئ من خلل في إحدى العوالم الثلاث (الأفكار، الأشخاص، الأشياء أو لخلل في العلاقة بين هذه العوالم).

فسواعد الجيل المقبل يُنتظر منها بعد كل جيل أن يُشمَّر عليها، تماما كما فعل إبراهيم عندما تاب وعاد ليُباشِر (العمل )، وإن كان عمل إبراهيم بسيطًا، لكنّ توجيهه الصَّحيح يمكن أن يثمر إذا كان من أهدافه هدف اجتماعي لا كسبا للقوت اليومي فحسب، وهذا العمل وتوجيهه لا يؤتي أكله إن لم يكن مصحوبا بنزعة تحدٍّ يخالجها نبذ العوامل الداخليّة الكامنة فينا كالقابليّة للاستعمار والروح الانهزامية وقلّة الفاعليّة، فتحدّي هادي ونقاوة نفس إبراهيم ورغبتهما في التغيير دفعت بهما إلى أبعد الأمصار، لأنّ عزيمتهما أقوى من أن تقهر.

لذا يمكننا اعتبار هذه الرواية رسالةً اختار بن نبي أن يبثّها للجيل القادم، الذي يريد منه أن يعرف منذ بداية خطواته الأولى إلى أيّ هدف بعيد قد انطلق، مستعيدا مسيرته سندا لرسالة القرآن الكريم وبلاغها في صبح عالمٍ جديد يتأهّب للخروج من مأزق معاصر بدفع من روحه نحو خلاص البشريّة… وأخيرا وفي نهاية هذه المحاولة يكون قد صحّ لدينا كثير مما ادّعيناه بأنّ «لبّيْكـ» أمكن لها مع بساطتها أن تحمل في دواخلها المعاني الحضارية العميقة التي لا يتاح لنا معرفتها إلاّ من خلال ربطها بخيوط فكر بن نبي.

إذن هكذا كانت خاتمة دهشتي الأولى وأنا أحمل «لبَّيْك»، مغادرة معرض الكتاب..لكن قبل مغادرتي اخترت أن أشتري مع هذا الكتاب عنوانا آخر غير بعيد عنه، حتَّى أجمع بين قراءتين، في محاولة لحبك الصّلة والرّابطة بينهما، فاخترت كتابه «الظّاهرة القرآنيّة»؛ دون أن أعرف أن الرّابطة الحقيقية موجودة فعليا بين الكتابين، وهي في غنى عن أدنى جهد جديد كي يحبكها، وهو ربما ما ختم به الأستاذ مسقاوي تصديره معتبرا أنّ…

«الظَّاهرة القرآنيّة» هي مطالعُ الأفق، و«لبَّيْك» هي زاد المسار… وتبقى «شروط النّهضة» خطّة البناء التّربوي إلى المرتقى، من خلال رواية نغرسها في الجيل القادم، تاركين في نهاية المطاف «سلسلة مشكلات الحضارة» ليست إلّا مجرّد معالم إرشادٍ في طريقٍ خطّته وحيدة روايات بن نبي «لبَّيْكـ».




[1]. معلومات الكتاب: العنوان: لبيك حج الفقراء.. رواية، المؤلف: مالك بن نبي، ترجمة: زيدان خوليف، الطبعة: الأولى –1430 هـ /2009 م، عدد الصفحات:156 صفحة من القطع الصغير، الناشر: دار الفكر، دمشق، سورية.

[2] . يُقصد بـ(متى وأين) الزّمان و المكان الحضاريين، التاريخيين اللذين أنتجا فكرة كتابة الرواية لدى بن نبي.

[3] . كتب بن نبي هذه الرواية عام 1947، أي بعد عام واحد من إصدار كتاب الظاهرة القرآنية، ولم تترجم إلا سنة 2009، حين عثر عليها الدكتور زيدان خوليف وتولى ترجمها، بينما تكفل السيد عمر كامل مسقاوي بنشرها.

[4] . تصدير عمر مسقاوي، طرابلس 10/04/2009م، (الرواية، ص12).

[5] . عمر كامل مسقاوي، تلميذه وابنه الروحي كما يناديه، صحب مالك بن نبي منذ لقائه به في القاهرة عام 1956، وكان حينها طالبا، وهو خير من اعتنى بتراث بن نبي الفكري جمعا وعرضا ونشرا وطبعا.

[6] . (بوقرعة): اللقب الذي كان يعيّره به صبيان أزقة بونة (عنّابة)؛ أي: « صاحب قارورة نبيذ».

[7] تقديم زيدان خوليف، باريس، جويلية 2007م، (الرواية،ص 18).

[8] . خصّ بن نبي الشباب الفتي بفصل في كتابه “شروط النهضة” تطرق فيه إلى دور الكشافة، وما يمكن أن تقوم به من عملية إحياء لدور الجيل الناشئ ( تقديم زيدان خوليف، نفسه)

[9] . مالك بن نبي، شروط النّهضة، تر: عبد الصبور شاهين، دار الفكر، دمشق، سوريا، 1986م، ص60؛ (العدّة الدائمة).

[10] . تقديم زيدان خوليف، (الرواية،ص 19).

[11] . دراسة أجراها المترجم زيدان خوليف بعنوان “عقيدة الآخر عند مالك بن نبي”، مجلة Maghreb Review، ع 1-4، 2004م.

[12] . تقديم زيدان خوليف، (الرواية،ص 20).

[13] . وهو ما تعرض له في «مدخل إلى دراسة الظّاهرة القرآنية» أثناء معالجته لمسألة الاستشراق؛ مالك بن نبي، الظّاهرة القرآنية، تر: عبد الصبور شاهين، دار الفكر، دمشق، سوريا، 2000، ص{52-68}.

[14] . تقديم زيدان خوليف، (الرواية، ص20)

[15] . مالك بن نبي، مذكرات شاهد القرن “الطّالب”، ط 2، دار الفكر، دمشق، سوريا، 1993م، ص { 291-293}.

[16] . نفس المرجع، ص297.

[17] . مالك بن نبي، شروط النّهضة، مرجع سابق، ص{70، 71}.

[18] . نفس المرجع، ص {61، 71}.

[19] . نفس المرجع، ص 61.

[20] . مالك بن نبي، مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، تر: بسام بركة، أحمد شعبو، ط2، دار الفكر، دمشق، سوريا، 2002، ص12.

[21] . مرجع سابق، ص97.

[22] . مالك بن نبي، مشكلة الأفكار، مرجع سابق، ص74.

[23] . عمر مسقاوي، مقاربات حول فكر مالك بن نبي، ط1، دار الفكر، دمشق، سوريا، 2008، ص 65.

[24]. مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، تر: عبد الصبور شاهين، دار الفكر، دمشق، سوريا، 2002م، ص60؛ وهو ما ندد به وأسماه بـ”الحرفية في الثقافة”، في كتابه:شروط النهضة، مرجع سابق، ص 84.

http://www.veecos.net/portal/index.php?option=com_content&view=article&id=6978:q-q-&catid=27:others&Itemid=17
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://benabbimalek.forumalgerie.net
 
"لبَّيْك: حجُّ الفُقَرَاء".. بَاكُورَة أَعْمَالِ مَاِلك بن نبي وزادُ مسَارِه الفكْريّ
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى مالك بن نبي فيلسوف الحضارة المعاصر :: الفئة الثانية :: مقالات عن مالك بن نبي-
انتقل الى: