منتدى مالك بن نبي فيلسوف الحضارة المعاصر

مالك بن نبي مفكر جزائري عالمي معاصر تمكن بدافع حماسه الإيماني العميق وبفضل تمكنه من المنهج العلمي المعاصر من تشخثص مشكلات الحضارة الإسلامية خاصة ووضع الحلول المناسبة لها ..
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 القراءة التحليلية في كتاب "الظاهرة القرآنية " لمالك بن نبي ** عبد المالك حمروش ** الحلقة 25

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبد المالك حمروش
مدير عام
مدير عام
avatar

عدد المساهمات : 354
تاريخ التسجيل : 14/04/2013

مُساهمةموضوع: القراءة التحليلية في كتاب "الظاهرة القرآنية " لمالك بن نبي ** عبد المالك حمروش ** الحلقة 25   الثلاثاء أغسطس 19, 2014 5:02 pm

مضمون الرسالة

يبدي مالك بن نبي إعجابا منقطع النظير بمحتوى القرآن الكريم من حيث الاتساع والتنوع مستشهدا بعبارة من الكتاب العزيز نفسه هي قوله جلت كلمته: (ما فرطنا في الكتاب من شيء) [الأنعام 38/6] ذلك الشمول والاتساع والرحابة التي يستوعبها حديث الكتاب السماوي والمستغرقة للذرة والنجم والكوكب الضخم وما بينهما من (ذرة الوجود المستودعة باطن الصخر والمستقرة في أعماق البحار) (1) إلى (النجم الذي يسبح في فلكه نحو مستقره المعلوم)(2) كما يتوغل في أغوار الجوانب العميقة الداكنة داخل قلب الإنسان فيسبر ما في نفس المؤمن والكافر سبرا دقيقا وعميقا فلا يخفى عنه ما يدور فيها من أحوال شعورية أو لا شعورية لا يغيب عنه شيء منها مهما كان موقعه وطبيعته ووظيفته, كما يرتد بعيدا في ردهات التاريخ السحيق فلا يغيب عنه شيء منه صغيرا كان أو كبيرا كما يستشرف المستقبل راعيا للإنسانية ومعلما لها لما هو واجب نحو حياتها, كما يرسم لوحة بديعة للحضارات الإنسانية المتتابعة داعيا لنا لنتأمله ونستخلص منه العبرة والموعظة الحسنة ونستفيد منه فيما يصلح له.
وفي الأخلاق يقول المؤلف يقدم لنا القرآن العظيم درسا نافعا مستخلصا من نظرة نفسية عميقة للطبيعة البشرية مبينة نقائصها المنهي عنها والفضائل المرفقة بالدعوة إلى العمل والاتصاف بها, وذلك من خلال تقديم القدوة الصالحة المتمثلة في حياة الأنبياء وبطولات الشهداء مستخلصا أن هذا هو الأساس الذي يدفع به القرآن المؤمن إلى الندم الصادق عندما يعده بالغفران الذي هو أساس (التربية الجزائية في الأديان السماوية).
يقول مالك بن نبي أمام هذا المشهد العظيم لم يتمالك الفيلسوف (توماس كارليل) نفسه إذ انبعثت من أعماقه صرخة إعجاب بالقرآن قائلا: (هذا صدى متفجر من قلب الكون نفسه)(3).
يقول مالك بن نبي (في هذه الصرخة الفلسفية نجد أكثر من فكرة جافة لمؤرخ). نهاية ص 195. يواصل في الصفحة الموالية تقييم ذات الصرخة على أنها شبه اعتراف تلقائي لضمير إنساني رفيع المستوى (بهت أمام عظمة الظاهرة القرآنية, ويستخلص المؤلف من هذا حيرة العقل البشري أمام اتساع القرآن وعمقه (إنه بناء فريد ذو هندسة ونسب فنية تتحدي المقدرة المبدعة للإنسان.) .. نتوقف هنا عند نهاية الفقرة الأولى من ص 196لنترك المجال للمناقشة والحوار والإثراء أثناء الجلسة الفكرية في سهرتنا هذه. لوحة واحدة تتكرر في مشاهد متنوعة بحسب المواقف والموضوعات لوحة ساحرة تجسد عبقرية المفكر الكبير مالك بن نبي تلخص تفاعل المبادئ الثلاثة الكبرى وفعاليتها الخير والحق والجمال في أبهى حلة لها عندما تنبعث من مصدر قرآني يتجاوز كل وصف وكل إبداع وكل عبقرية فكيف لا يكون دافعا عظيما للحضارة والرقي والإنسانية والاستقامة؟ عن هذه المعاني ألأصيلة يصدر فكر مالك بن نبي التنويري القويم ولننظر إلى ذلك الخلق الإسلامي السامي في الحث على استيعاب حضارات سابقة حتى الوثنية منها والملحدة للاستفادة من الجانب المفيد من محتوياتها وانظروا كيف يجد مشاعر راقية في الإعجاب بصرخة الفيلسيوف غير المسلم (توماس كارليل) بعظمة القرآن وروعة عبارته وفكرته وسحر بيانه وسمو معانيه إنه التسامح وسعة الأفق التي هي أساس سلوك المسلم وفكره بعيدا عن التعصب وضيق الأفق والكراهية والبغضاء كما هي حالة الكثير اليوم .. كم هو جميل أن تجد هذه المعاني تداولا وحوارا وتعمقا أثناء سهرتنا الفكرية الليلة.
________________________________________________________________________________

      مضمون الرسالة (تابع)
كنا توقفنا عند نهاية الفقرة الأولى من ص 196 حيث كان مالك بن نبي يعبر عن انبهاره بعظمة القرآن عبارة ومعنى وسحر بيان, وفي ذاك السياق الرائع نواصل قراءة هذه الصفحة أو ما بقي منها. إذ يذكر مالك حقيقة ذات أبعاد مهمة هي أن الإنسان كمحيطه الطبيعي الأرضي خاضع للمكان والزمان لا يتعداهما بينما القرآن يتجاوز ذلك النطاق المحدود أو هو بعكس الإنسان لا يخضع لقانون الزمان والمكان كما عبر عنه المؤلف وهنا يصل مفكر الحضارة إلى بيت القصيد من كتابه هذا كله وهو أنه ليس بإمكان الإنسان بسبب القانون المذكور حتى في الحدود القصوى لعبقريته أن يأتي بمثل هذا الكتاب (القرآن) الذي يتجاوز في أبعاده وحقائقه وجماله وبلاغته حدود القدرة البشرية بل العبقرية البشرية في أرفع درجاتها يقول: (وما كان لكتاب بهذا السمو أن يتصور في حدود الأبعاد الضيقة للعبقرية الإنسانية). لذلك فإن من يستطيع قراءة هذا الكتاب العظيم بفهم ووعي لأبعاده وشساعة معانيه وروعة مبناه  لا يمكنه أن يتصور الرسول عليه الصلاة والسلام إلا مجرد واسطة للعلم الغيبي الكامل (فلن يمكنه إلا أن يتصور الذات المحمدية مجرد واسطة لعلم غيبي مطلق).

      وزيادة على ذلك فإن هذه الذات المحمدية لم تشغل إلا حيزا بسيطا جدا من هذا الكتاب العظيم فلا نجد فيه ما مر به من أحداث جسام أثرت فيه تأثيرا كبيرا وكانت تبكيه حتى آخر لحظة من حياته عندما يتذكرها فلم يذكر القرآن أحزانه الأليمة حتى تلك التي عصفت به كموت عمه وزوجته اللذان لم يرد ذكر اسمهما بتاتا في القرآن فلا أبو طالب ولا خديجة رغم ما كان لهما من دور خطير في حياة النبي (ص) وما عصفت به الأحزان العميقة العاتية في نفسه الكريمة بفعل موتهما وخسرانه لدعمهما ورعايتهما. وهكذ تكون مهمة القرآن أبعد وأعمق حتى من الاشتغال بموضوعات ذات أهمية قصوى في نفس الرسول (ص).

      يرى مالك بن نبي أن هذه النقطة هامة جدا وضرورية لأية دراسة نفسية تحليلية للقرآن العظيم, الذي اهتم به المستشرقون اهتماما كبيرا على اختلاف أهدافهم وتوجهاتهم (لغايات مختلفة وبدوافع جد مختلفة). وقد قدمت موضوعات القرآن مادة دراسية غزيرة لهؤلاء العلماء يقول مالك. ويضيف أنه كان من الواجب ربما بحثها في سياق الظاهرة القرآنية للفت انتباه القارئ. كما يضيف عزمه على تخصيص حيز للتشابه العجيب بين القرآن والكتاب المقدس(1)

نهاية ص 196 .. لعله من المناسب أن نتوقف هنا حتى لا نضيف موضوعا يعتبر جديدا هو هذا التشابه بين القرآن والكتاب المقدس الذي وضفه مالك بن نبي بالتشابه العجيب والذي سيخصص له فصلا خاصا ابتداء من ص 197, لكن اللافت للنظر في هذه الصفحة التي انتهينا من قراءتها هو هذا الانبهار الكبير لمالك بن نبي بالقرآن العظيم معنى ومبنى كما أنه يصرح لأول مرة بما كان يلمح إليه حتى الآن وهو أن هذا الكتاب المنزل يستحيل على بشر مهما كانت عبقريته كاملة بشريا أن يأتي بمثله كما أنه لأول مرة يتحدث عن المستشرقين صراحة  ويميز بينهم في منطلقاتهم وغاياتهم لكنهم كلهم اتخذوا من القرآن موضوعا خصبا لدراسات كثيرة ولعل بعضهم بما حاولوه من نكران الرسالة والرسول هم السبب الأول الذي جعل ملك بن نبي يؤلف كتابه الأول هذا وكأنه وصل بعد تمهيدات معمقة كثيرة إلى اللحظة التي أحس فيها أنه بلغ غاية الإقناع بالوقوف على الإبداع القرآني الذي يتجاوز حدود العبقرية البشرية لأنها محدودة بقانون المكان والزمان بينما هو لا حدود له وبالتالي تبلور البرهان القاطع لديه عقلا وعلما ومنطقا بأن هذا الكتاب لا يمكن أن يكون مصدره بشريا وما محمد (ص) إلا واسطة لتبليغ هذا العلم الغيبي العلوي. وهكذا تسقط كل الحجج الواهية أصلا لبعض المستشرقين ومن لف لفهم حتى من تلاميذهم العرب والمسلمين ويحسم الموضوع ويكون القرآن هو كتاب الله ومحمد هو رسول الله. وقل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. ومما لا شك فيه أن الموضوع سيجد الكثير من الإثراء والتعمق أثناء الحوار المنتظر في سهرتنا اليوم الفكرية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يقصد بالكتاب المقدس مجموع الكتب المنزلة على أنبياء بني إسرائيل ونها التوراة والإنجيل ...................... (المترجم)


العلاقة بين القرآن والكتاب المقدس

يتناول مالك بن نبي هذا الموضوع في فصل أو عنوان خاص ابتداء من ص 199 حيث يضع العنوان في صفحة مستقلة هي ص 197

ويشرع في الموضوع بملاحظة هي أن المتجادلين فيه لم يريدوا إدراك المشكلة في هذه العلاقة من جميع وجوهها متصورين جميع عناصرها؟
فزيادة على التشابه الملاحظ بين القرآن والكتاب المقدس وهو (ليس الطابع الوحيد أو الجوهري في القرآن) فإن القرآن يؤكد صلته بالكتاب المقدس, مؤكدا مكانته في الدورة التوحيدية, وهو بهذا وذاك يثبت يثبت - معتدا بنفسه - التشابه بينه وبين التوراة والإنجيل, ويؤكد قرابته بهما صراحة, والنبي (ص) لا يترك مناسبة سانحة إلا ويلح على نفس هذه القرابة, وهذه آية كريمة تنص على هذا الأمر: (وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله, ولكن تصديق الذي بين يديه, وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين).[يونس 37/10].
يلاحظ المؤلف على أن هذه القرابة تعطي للقرآن طابعها الخاص حيث نجده في كثير من الموضوعات يكمل أو يصحح الكتاب المقدس.
ورغم إعلان القرآن الصريح على هذه القرابة والتشابه بالكتب السابقة يضيف مالك فإنه يحتفظ بخصوصيته في سياق التوحيد ويخبر بأنه سيبين هذه الخصوصية فيما بعد .. نهاية ص 199.
لنتوقف هنا ونترك الإثراء للحوار والمناقشة المنتظرة ملاحظين سبب اختيار المؤلف أو بحثه في هذه العلاقة؟ هل يرمي من وراء ذلك إلى سبب معارضة اليهود والنصارى للقرآن الكريم وهو أنه يكمل ويصحح كتابهم المقدس التوراة والإنجيل؟ أي أنه الأشمل والأكمل والأصح بسبب حمله لآخر الرسالات ولأنه أكملها ومن واجب أهل الكتاب وكل البشر اتباعه لهذه الأسباب؟ ولأنه مرسل ومنزل بهذا القصد الشامل لجميع البشر؟ أم أن هناك صراع على الزعامة الدينية والدنيوية تحتم هذا الموقف المعادي للرسالة الخاتمة من أتباع سابقاتها؟ أي كان السبب فإن طرح مالك بن نبي سيتضح أكثر عندما يواصل الموضوع لاحقا وبإمكاننا أن نخوض فيه منذ الآن حيث إنه أمر جوهري كغيره من الموضوعات التي يتناولها مالك بن نبي في هذا الكتاب الرئيس من بين كتبه.
______________________________________________________________________________________

العلاقة بين القرآن والكتاب المقدس (تابع)

ما وراء الطبيعة

ص200 من كتاب الظاهرة القرآنية لمالك بن نبي

يجري مالك بن نبي مقارنة بين القرآن الكريم والكتاب المقدس في مجال الميتافيزيقا فيقرر بداية امتياز القرآن عن غيره من حيث التوحيد واجتناب التشبيه والاتصاف بالعقلانية والدقة والروحانية مما يجعل عقيدته الغيبية أكثر تنويرا وقبولا وصفاء عكس الكتب العبرية التي يخالطها التشبيه الذي يكون قد أتاها عن طريق التلفيق والتحريف الذي تعرضت له. ويستعرض مالك بن نبي نصا توراتيا يثبت به ويوضح هذا التشبيه المسيء للوحدانية برؤيا ليعقوب وردت في سفر التكوين: (ورأى حلما وإذا سلما منصوبة على الأرض ورأسها يمس السماء وهو ذا ملائكة الله صاعدة
ونازلة عليها, وهو ذا الرب واقف عليها فقال أنا الرب إله أبيك إبراهيم وإله إسحاق.) [سفر التكوين - الفصل الثامن والعشرون - الفقرتان 12 و 13]
وبالإضافة إلى هذا يلاحظ المؤلف أن الربانيين قد أقاموا على الوعد الذي تلقاه إبراهيم, وعلى ما كان ليعقوب من ميزة الاختيار(1) (عقيدة دينية قومية), فالله سبحانه أصبح تقريبا في تلك العقيدة (ألوهية قومية). حيث أصبح جوهر النبوة من (عاموس) إلى (أشعياء الثاني) )(نهاية صفحة 200) (سيكون بالتحديد رد فعل لهذه الأنانية) لذلك نجد جميع جهد الأنبياء الإصلاحيين الذين أتوا من بعد مثل (أرمياء) تتركز على تصحيح هذه العقيدة بتأكيد وجود الله (رب العالمين) .. نهاية الفقرة الأولي من ص 201.
نتوقف هنا لنفسح المجال للنقاش والحوار والإثراء وما يريده مالك بن نبي من هذه المقارنة بين القرآن الكريم والكتاب المقدس وكون غيبية العقيدة في القرآن تبقى أقرب إلى الموضوعية والعقلانية والدقة وطبيعة الروح مقارنة لها بالكتاب المقدس وذلك تبيانا لكون القرآن هو الرسالة السماوية الخاتمة فكان لا بد أن يكون أكمل وأصح وأكثر قبولا وفائدة واستساغة وأكثر حفظا وصحة من الكتاب المقدس وغيره من الكتب السماوية وهذا ربما ما جعل أتباع الكتب الأخرى يكيدون له ويناصبونه الكراهية والعداوة ويريدون به سوءا ويحاولون إثبات بشريته لنفي السماوية والرسالة عنه ذلك لأنه أحسن وأصح وأكمل وأنقى وفوق هذا وذاك لم يخالطه التشبيه ولا التزييف والتحريف. لعل النقاش المثمر المنتظر سيوضح الموضوع أكثر ويزيده تجذرا وإثراء وتبيانا ليكون أكثر نفعا.
___________________________________
(1) اختيار إسحاق لولده يعقوب لتكون النبوة فيه وفي عقبه  ............................................... "المترجم"

____________________________________________________________________________________________

العلاقة بين القرآن والكتاب المقدس (تابع)


ما وراء الطبيعة

ص 201 من كتاب الظاهرة القرأنية لمالك بن نبي


كان مالك بن نبي في المرة الماضية يتحدث عن الحركة الإصلاحية اليهودية التي حاولت العودة بالكتاب المقدس الذي أصابه التحريف والتشويه إلى أصله الموجه إلى الناس وليس إلى قومية يهودية فقط .. لكن يبدو أن النجاح لم يحالف الإصلاحيين فالعقيدة المسيحية هي الأخرى قد انحرفت باختراع ذات إنسانية كما يقول مالك فيما سمته بالأقانيم الإلهية مما أدى إلى نشأة عقيدة جوهرها:

(الرب الحي "تجسد" إنسان)

وتولد عن هذه العقيدة المسيحية يقول مالك التفسير المسيحي الذي سيقتبس من الثقافة الإسلامية المنطق الأرسطي, لينشئ عقيدة دينية ثالوثية اساسها الثالوث الأقدس. ومن الواضح أن هذا انحراف وتشويه للأصل التوحيدي للأديان السماوية كلها.
بينما القرآن اتجه إلى التوحيد وحسم الأمر كالتالي: (الله واحد, مخالف للحوادث. رب العالمين) ويتبادر إلى الذهن هنا هل أن هذا هو سر عداوة اليهود والنصارى للذكر الحكيم وأهله؟
يضيف مالك بن نبي متحدثا دائما عن القرآن الكريم قوله: (فأخرج بهذه الطريقة الحاسمة ذات الله جل شأنه من نطاق الأنانية اليهودية والتعدد المسيحي. ولقد تقررت هذه العقيدة الجوهرية للإسلام الموحد في سورة من أربع آيات:
قل هو الله أحد, الله الصمد, لم يلد ولم يولد, ولم يكن له كفؤا أحد) [صورة الإخلاص 112/ 1-4]
يعتبر مالك بن نبي أن الإخلاص المتجلي في هذه الآيات صفة خاصة بالفكرة القرآنية, قضت على التعدد والتشبيه (دون نفض أو إبرام). أما الصلة بين القرآن والأديان السماوية فيتجلى في روح الآيات إن لم يكن في نصها, ومن هنا منطلق الأساس النظري الذي ستقوم عليه الدراسات الدينية الإسلامية وتتطور, ومنه كان انتقالها إلى السيحية على يد (طوماس الإكويني) وإلى اليهودية على يد (موسى بن ميمون). نهاية ص 201
هكذا هي عبقرية مالك بن نبي التحليلية والمنطقية والموضوعية في كل مرة يكشف لنا عن جانب من الزيف الحاقد المحارب للإسلام لأسباب عديدة منها ما لحق كتابهم المقدس على أيدي أسلافهم من تحريف وتشويه أساء إلى روحه ومقصده الذي لا يمكن أن يكون مخالفا لمقصد القرآن لوحدة المصدر وربما كان هناك خلاف غير جوهري عادي وطبيعي باعتبار المرحلية التطورية التي اتبعتها الأديان السماوية في نزولها ولكون القرآن الكريم هو خاتمة الرسالات فمن الطبيعي أن يكون هو أكملها وأشملها وأدقها زيادة على سلامته وبقائه كما نزل دون أي تحريف أو تشويه. فهل هو الحسد يدفعهم إلى حربهم المتعددة الأوجه على الإسلام منذ نزول الرسالة المحمدية؟ أم هي المصالح التي تدفعهم إلى الحقد الأعمى؟ أم هي الخلافات الموضوعية بين الكتابين بسبب التشويه الذي ألحقوه بالكتاب المقدس؟ أم هي كل هذه الأسباب وغيرها كثير؟ المهم هو أن مالك بن نبي حسم الأمر وفضح كل المسألة ولم يترك لهم منفذا لادعاء ما كانوا يدعون, ولعل خوضنا في الموضوع أثناء المناقسشة والحوار في هذه السهرة ستكشف عن جوانب أخرى بوضوح أكثر لأن الوعي بهذا الأمر سيؤدي إلى معرفة حقيقة الصراع الأبدي بين المسلمين وغيرهم من الكتابيين على الخصوص.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العلاقة بين القرآن والكتاب المقدس (تابع)


ما وراء الطبيعة


ص 202


خلاصة الخلاصة لأنني أعيد الموضوع للمرة الثالثة نظرا للظروف الرديئة للاتصال


يخلص مالك بن نبي بعد عرضه لتأثر الفكر الديني اليهودي والمسيحي الحديث بالفلسفة  الدينية في القرآن وبفكر ابن رشد


وكمثل عن ذلك يذكر بعض الآباء الذين اعتتبرهم جاحدين لهذا التأثير بل لكون هذا الفكر المسيحي هو عبارة عن نتيجة من نتائج الطرح الميتافزيقي للقرآن الكريم


لكنهم يذهبون إلى العكس من ذلك تماما في جحودهم لذلك التأثير الحاسم ويتضح ذلك في قول الأب تيري Thery: (حرم النبي صراحة أي استخدام للعقل, في المشكلة الدينية, لأن وجود الله لا يمكن البرهنة عليه, والاجتهاد أو انطلاق العقل ليس من التوجيهات الأساسية للقرآن).

إنه العكس تماما وكأنما يتحدث هذا الراهب عن الكتاب المقدس الذي حرفوه وشوهوه لخدمة أنفسهم ونزعاتهم اللإنسانية وتأييدا لحكامهم الذين كانوا ولا زالوا يقترفون الجرائم النكراء في حق الإنسانية ويقولون عكس ما يفعلون ويا للعار والشنار؟!

ومن هذه الخلاصة وبراهينها القاطعة ينتهي مالك بن نبي إلى إثبات أمرين هما: مقدار تأثر الفكر الديني اليهودي والمسيحي أو ما أسماه الكتاب المقدس بالتفكير الديني المتافزيقي للقرآن الكريم والفكر الإسلامي عامة. والأمر الثاني هو نكران رجال الدين اليهود والمسيحيين ذلك الفضل على فكرهم الحديث الذي جاءهم من تأثير لا يمكن إخفاؤه ولا نكرانه من القرآن الكريم والفكر الإسلامي عامة وهو ما أطلق عليه مالك بن نبي وصف "الجحود" وهي صفة مذمومة تصدر عن مستوى عالي من المفكرين اليهود والمسيحيين وهو من الكبائر الثقافية والحضارية التي تنبئ عن سلوك غير متحضر ومتعصب وعنصري وناكر للجميل وغير معترف بالحقيقة ولا مقر بها وهو عيب ما بعده عيب وعار على من يعتبرون أنفسهم قمة الثقافة والمعرفة في مجال مقدس خاصة.وهكذا يؤكذ مالك بن نبي مرة أخرى أن مفكري الحضارة الغربية المادية يعرفون الكثير عن عالم المادة لكنهم لا يعرفون شيئا عن القيم وتذهب بهم ذرائعيتهم إلى حد الوقوع في رذيلة نكران الحقيقة وعدم الاعتراف بالفضل لأهله وما إلى ذلك من السطات التي اقترفها هؤلاء الذين ادعوا الكثير من الفضل على البشرية وقد يكون ذلك صحيحا بعض الشيء لكن عن أي بشرية يتحدثون؟ إن كانوا قد فعلوا بعض الشيء لشعوبهم فإنهم قد روعوا غيرها وكانوا في ركاب أبشع ما قام به قادتهم السياسيون والعسكريون والاقتصاديون في حق بقية العالم غير الغربي. إن عبقرية مالك بن نبي تتجلى في كشف زيف الخطاب البشع لمفكري الغرب أو بعضهم حيث سخروا أنفسهم لخدمة القوى العتنصرية العدوانية وتنكروا للحضارة التي علمتهم الكثير واخذوا عنها ما يتبجحون به لكنهم أهملوا أهم ما فيها وهو الإنسانية الراقية وما ذا يبقى لهم بعد ذلك فأية قيمة للمفكر أو المبدع الذي يدوس على القيم الإنسانية ويخدم عكسها؟!

في المرة القادمة ينتقل مالك بن نبي إلى الحديث عن موضوع تحت عنوان: (أخرويات)

======================================================

العلاقة بين القرآن والكتاب المقدس (تابع)


أخرويات


ص203 من كتاب الظاهرة القرآنية


يشرع مالك بن نبي في هذه الصفحة بقوله: (إن خلود الروح, تلك الفكرة الجوهرية في الثقافة التوحيدية, يستتبع نتائج منطقية هي: نهاية العالم, يوم الحساب, الجنة, النار).


ويعلق على ذلك قائلا: إن هذا المجال لم تهتم به الكتب اليهودية إلا قليلا معللا ذلك بأنها كانت مهتمة بالتنظيم الاجتماعي لأول بيئة توحيدية. ثم جاء الإنجيل ليكون أكثر عناية وتطورا في هذا الموضوع حيث كان مخاطبا لمجتمع موحد قطع في هذا الشأن شوطا كبيرا. يقول مالك: (وسنرى أن القرآن سيبرز في هذا المجال الأخروي بروزا مؤثرا), فالخلود جاء ذكره فيه بنبرة خاشعة رهيبة, يقول مالك في أسلوب فاق الذروة في بلاغته, ويذهب المؤلف إلا أن تقديم القرآن للموضوع الأخروي تقشعر له الأبدان خشية وتأثرا بالغا حتى أيامنا هذه ولم يشر في أن سبب ذلك هو بلاغة اللغة العربية أو العناية الفائقة لكتاب الله العزيز بالموضوع أو هما معا إنه يقدم الأمر في سياق تطور في المسألة حيث تكمل الأديان السماوية بعضها وتعبر عن مرحليتها ومن الطبيعي أن يكون هذا المجال أكمل في القرآن الكريم وأكثر تأثيرا وخشية لأنه الخاتم وأكمل الديانات المرحلية السابقة عنه ليأتي هو كاملا وشاملا وأعمق تعبيرا وأكثر تأثيرا فذاك هو التدرج والتطور الطبيعي والمنطقي للمسألة عبر تاريخ الأديان السماوية.
ثم يصف مالك بن نبي مشاهد القيامة في القرآن الكريم بما أسماه الحقائق الخلابة, بالإضافة إلى واقعية الشخصيات المذكورة فيه وحركيتها وتصرفاتها المنطقية وعرضها لأدق التفاصيل مما يعطي لمشهد القيامة رهبة ما بعدها رهبة فلا إهمال لأي شيء من شأنه التذكير بتلك الساعة الرهيبة, ولا بأحوال الزمان ولا صدور الحكم (تعرج الملائكة والروح إليه في يوم مقداره خمسين ألف سنة). [المعراج 4/70]. ويكون مشهد الختام المهيب فيي قوله سبحانه: (فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب) [الحديد 13/57].
ويختم مالك بن نبي موضوعه قائلا: ( هذا هو المقام الخالد - نهاية ص 203 - للسعداء وللأشقياء, وليس في الوجود كله مشهدا يماثل هذا المشهد في الحركة, ويفوقه في الألوان التي تتوالى في مختلف سور القرآن.
من هذا المشهد الرائع وبعد ستة قرون من الزمان, قبسنت عبقرية (دانتي) لوحاتها الخيالية في (الكوميديا الإلهية), وقد أوحى إليه بها ما كتبه المعري في (رسالة الغفران). ص 204
وهكذا تلتقي في مالك بن نبي وهو يسجل العلاقة بين القرآن والكتاب المقدس في هذا المشهد الأخروي الفريد قمم فكرية وأدبية وروحية وأكاد أقول صوفية في هذا المجال الأخروي بالذات كل ذلك ليعطي للقرآن الكريم حقه الذي أراد الحاقدون طمسه بمحاولة فاشلة آثمة منهم لقلب الحقائق فيحلق مالك بن نبي في سماء الحق والوجدان ويضع الأمور في نصابها وكأني به يقول لهم أين الثرى من الثريا خاصة وأن تلك الكتب المقدسة المرحلية بطبعها والمحدوددة زمانا ومكانا لا يمكن لها منطقيا وواقعيا وفي نفس السياق أن تقارن بالكتاب العزيز الخاتم الكامل الشامل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه حيث لم يلحقه التحريف ولا التشويه فضلا عن أنه الأخير والأكمل والموجه إلى جميع البشر إلى يوم يبعثون. وهكذا يتألق مالك بن نبي أكثر مما هو متألق عادة ليذهب بعيدا وليسكت الخصم ويخرسه إلى يوم الدين. في هذا المشهد الرائع المهيب الرهيب نلتقي في سهرتنا الفكرية لنتجاذب الحديث فيه ونزيده بتكاثف تصوراتنا وفهومنا مهابة على مهابة وجمالا على جمال وسحرا على سحر كما هو في ذاته وكما قدمته عبقرية مالك بن نبي النادرة من كل وجوهها المشرقة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


العلاقة بين القرآن والكتاب المقدش (تابع)



كونيات



ص 205 من كتاب الظاهرة القرآنية لمالك بن نبي



يشرع المؤلف في تناول الموضوع بتشابه "عجيب" كما قال بما ورد في سفر التكوين والقرآن العظيم في مسألة الخلق

فيقول: ( في سفر التكوين نجد كيفية الأمر بالخلق في تلك العبارات: "وقال الله ليكن نور فكان نور"

ويعلق عن هذا قائلا: (هذه الصورة تذكرنا بطريقة فريدة بعبارة القرآن: "كن فيكون". [البقرة 182/12] فإن التشابه بين العبارتين عجيب)

لكن الفرق هو أن القرآن يذهب إلى أبعد من مجرد ذكر الموضوع فيفصله ويشرحه واصفا عملية هذا التكوين الآمر أولا بالكلام عن وحدة مادة الكون الأولى يقول مالك بن نبي

وهذا نص قرآني في هذا الموضوع يستشهد به مالك بن نبي: "أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما" [سورة الأنبياء 20/21]

كما يتحدث القرآن عن الحالة البدائية لتلك المادة يضيف المؤلف:

"ثم استوى إلى السماء وهي دخان" [فصلت 11/41]

وإمعانا في التفصيل وذكر كيفية تشكل تلك المادة عند الخلق والتكوين يقول مالك بن نبي: (ثم إن الله جلت قدرته يحدد لكل كوكب فلكه ومستقره, مجزئا بذلك المادة في المكان, ومقررا جميع

القوانين التي ستحكم الظاهرة الطبيعية. ثم تكون الظاهرة الحيوية:

"وجعلنا من الماء كل شيء حيا" [الأنبياء 30/21].

نهاية ص 205

هذه صورة أخرى أو موضوع آخر يستعمله مالك بن نبي ببراعته المعهودة لينتهي إلى ما هو متطابق في كل مرة وهو إظهار حق الإسلام وباطل المتحاملين عليه من أهل الكتاب خاصة للصلات المعروفة للإسلام والمسلمين بهم وللعلاقات غير السوية التي قامت ولا زالت بين الطرفين, وفي هذه المرة يستعمل موضوع الخلق والتكوين وكيف أنه في الكتاب المقدس لا يتجاوز جملة واحدة تتحدث بفصاحة أقل مما ورد في القرآن عن التكوين بينما نجد الأمر مفصلا إلى حد بعيد في القرآن الكريم وهو أمر طبيعي على اعتبار أن الكتاب المقدس محدود في الزمان والمكان والموجه إليهم من البشر بينما القرآن الكريم هو خاتم الكتب السماوية والملخص لها والمكمل ليكون على صورة كاملة ككتاب سماوي وشامل في موضوعه ومعارفه لأنه هو الخاتم وهو الموجه إلى جميع البشر إلى يوم القيامة هذه الصورة من الكمال والشمول للقرآن الكريم هي التي جعلت التحامل عليه من أهل الكتاب المقدس تحاملا لا حدود له بدءا من إنكار مصدره الإلهي وكونه ليس وحيا بالإضافة إلى قيمته التي يريدون إبخاسها حقها وهذا ليتبتوا أنهم الأرقى والأجدر بالسيادة والريادة والسيطرة على العالم لأسباب شاملة منها أهمية كتابهم المقدس الذي لا أهمية لكتاب سماوي أو مزعوم كذلك عليه, يقولون ذلك وهم يعلمون أنهم ينطقون باطلا ويمارسون تزييفا ويعتدون بباطلهم على الحق الذي لاحق بعده, وهكذا يأتي مالك بن نبي بعبقريته الفريدة ليتتبع خطواتهم واحدة بعد أخرى في مختلف الموضوعات التي ادعوا بها ما ادعوا من بهتان ويبطلها واحدة بعد الأخرى بكل الوسائل بحيث لا يترك لهم منها أية وسيلة يمكن أن يستعملوها ثانية سواء كانت من علم أو منطق أو معارف أو وحي في حد ذاته وكيف لا؟ وهو المستحق بجدارة للقب حجة الإسلام المعاصرة فلله درك يا مالك بن نبي العبقري وحيد زمانه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العلاقة بين القرآن والكتاب المقدس


كونيات
(تابع)

ص206

كنا في الصفحة الماضية قد رأينا مقارنة مالك بن نبي لما جاء في مسألة التكوين في القرآن والكتاب المقدس والفرق الشاسع بينهما كما هو الفرق بين الأصل والفرع  دائما

وفي الصفحة الحالية 206 وفي نفس السياق يحدثنا مالك بن نبي عن العلاقة بين التكوين أو الخلق في القرآن والعلم حيث يبدو في الظاهر شيء من التناقض خاصة عند بعض الاتجاهات المادية

أو العلمانية الملحدة والمتطرفة. يقول مالك بن نبي: "هناك آيات كثيرة تكمل هذه اللوحة النموذجية لصورة التكوين في القرآن, وعلى كل فإن الفعل الأولي الخالق أمر شفوي".

يقصد "كن فيكون". مما يوحي بالتعارض مع من يؤمنون مثلا بـ(فرض)لافوازيه (Rien ne se créé; Rien ne se perd) أي لا شيء يخلق (من العدم) ولا شيء يدخل (في

العدم). مما يعني يقول مالك ألا شيء يمكن أن يخلق من لا شيء. ويعلق المفكر بن نبي على هذا بأنه من الناحية المنطقية لا شيء بعسير على الرد على أي تناقض مدعى بين العقل والمبدأ

الخالق (كن فيكون) ويستحيل إثبات ذلك التناقض المزعوم ببرهان تجريبي. يقول بن نبي: (أما الدين فيقرر أن الله هو الذي يملك سر التكوين بين الكاف والنون - كما يقولون -) يقصد (كن).

ثم يذهب إلى أنه منذ البداية نتساءل هل يوجد أي تعارض يستحيل رده أو حتى شبه تعارض بين هذا المفهوم الديني والمفهوم العلمي؟ حيث يتساءل أن حل مشكلة المادة في التحليل الأخير ينتهي

إلى الجوهر الموجود والمجال الحامل للموجود؟.

ويستعرض الإجابات الموجودة في الموضوع وهي:

الطبيعيون: تؤول المادة في النهاية إلى نوع من الطاقة.

يجيبهم كمفكر مسلم معاصر: (ألا يمكن أن تفسر [كلمة الله] نفسها يإنها نوع من الطاقة, الطاقة في أتم وأعظم أشكالها [بما أنها خالقة؟]).

ويتابع متسائلا: (أليس لنا الحق في أن نعد المادة في مجموعها مجرد تشكيل وتأليف لهذه الـ [كن] الخالقة؟ ...).

نهاية ص 206

سيتناول المؤلف في ص 207 الموالية مسألة الأخلاق في بحثه للعلاقة بين القرآن والكتاب المقدس.

إذن هنا يتعرض مالك بن نبي للجدل القائم بين المؤمنين والملحدين بصفة عامة والذي يستعمل أحيانا في سياق محاربة الإسلام والقرآن الكريم وكعادته يستعمل علمه الواسع والدقيق ومختلف

المناهج والأساليب المنطقية حتى لا يترك أي منفذ للخصم سواء من الديانات السماوية الأخرى التي ناصبت ولا زالت الإسلام العداوة لأسباب غير موضوعية وذاتية مشبوهة ليثبت لهم بكل الأدلة

أن الإسلام هو الأرقى وهو الأكثر انسجاما مع المنطق والعلم والعقل ومن الناحية الدينية البحتة هو الأشمل والأصح والذي لا يأتيه الباطل من بين بديه ولا من خلفه لأن كتابه هو الأتم فضلا عن

أن التشويه لم يلحقه كما وقع للكتاب المقدس. أما عن العلم فمعروف أن القرآن لا يشتمل على أي موضوع يمكن أن يكون متناقضا مع العلم وإذا كان لا بد من التفصيل فها هو موضوع المادة

والطاقة وكيف يمكن تفسيره بما يجعل القرآن هو الحقيقة المعرفية العليا وتفسيره أدق وأشمل وفي ذات الوقت لا يمكن لأي كان أن يثبت أي تناقض مقبول علميا وعقليا ومنطقيا للعلم

والمعارف كلها مع القرآن الكريم. وهكذا ينتهي مالك بن نبي كعادته إلى حسم هذا الموضوع كغيره من المواضيع لفائدة الإسلام ولا يترك للخصم إلا أن يبهت.

كم بكون جمبلا أن نتناول مجتمعين هذه القضية المثيرة للجدل في سهرتنا الفكرية لنزيدها درسا وإثراء وخصوبة.

_______________________________________________________________



العلاقة بين القرآن والكتاب المقدس (تابع)



أخلاق



ص ص  207 &  208  من كتاب الظاهرة القرآنية لمالك بن نبي


ليقيم مالك بن نبي المقارنة بين القرآن والكتاب المقدس يقدم لذلك بالأخلاق اللادينية التي تهدف إلى المنفعة الذاتية العاجلة فقط بينما الأخلاق الدينية (التوحيدية) لا تنفي المنفعة لكنها تذهب إلى أبعد منها حيث تمتاز بمراعاة منفعة الآخرين أيضا ناشدة دوما ثواب الله في المقام الأول قبل الفائدة الشخصية.
ثم يشرع المؤلف في عرض الأحوال المختلفة للظاهرة الخلقية بين الكتاب المقدس بتوراته وإنجيله والقرآن
فيقول من أجل هذا الثواب (صاغت الثرات الميثاق الخلقي الأول للإنسانية في وصاياها العشر)
(وساق الإنجيل توجيهاته في عظة المسيح على الجبل)
وفي الكتابين مبدأ أخلاقي سلبي يقول مالك
حيث يأمر الأول الناس باجتناب الشر
بينما يأمر الثاني بعدم مقاومة الشر
أما القرآن (فسيأتي بمبدأ إيجابي أساسي) لإكمال منهج الأخلاق التوحيدية, هو مبدأ (لزوم مقاومة الشر) مخاطبا أتباعه بقوله عز من قائل:

(كنتم خير أمة أخرجت للناس, تأمرون بالمعروف, وتنهون عن المنكر)[آل عمران 110/3].

ثم إن القرآن يقر الجزاء اساسا للأخلاق التوحيدية
أما في الديانة اليهودية فلم تظهر القيمة الدينية للفرد إلا في عهد "حزقيال -   Exachiel)  فقبل ذلك كان الواجب ونتائجه الخلقية تتحملهما الأمة حيث كانت تتوقع جزاءها في نصر مؤقت (يوم ينصر الإله قومه).
وعلى العكس من ذلك كان الإنجيل .. (نهاية ص 207).
يكمل المؤلف المعنى في ص 208 فقد جعل الإنجيل الجزاء كله في يوم القيامة فالأخلاق من مسائل الآخرة وهي كلها من الهموم الشخصية.

أما القرآن فقد أقام البناء الخلقي على أساس القيمة الخلقية للفرد وعلى العاقبة الدنيوية للجماعة, فثواب الفرد يكون يوم الحساب وهكذا تكون القيمة الدينية للفرد في قوله تعالي:

(ذرني ومن خلقت وحيدا) [المدثر 11/74].

كما أن جزاء الجماعة الأخلاقي في القرآن عاجل يعبر عنه القرآن بدعوتنا إلى تأمل عقاب الأمم البائدة والحضارات الزائلة:

(قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين) [الأنعام 11/6]

كما يعنف القرآن تلك الأمم قائلا:

(أو لم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن, مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم, وأرسلنا عليهم سماء مدرارا, وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم, فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين). [الأنعام 6/6] .. نهاية ص 208 وموضوع الأخلاق الذي سيكون متبوعا في لقائنا القادم في ص209 بموضوع المجتمع.

يبدو أن العلامة مالك بن نبي وحجة الإسلام لعصرنا يريد أن يفصل كثيرا في مسألة المقارنة بين القرآن العظيم والكتاب المقدس أو كا عنون موضوعه (العلاقة) بينهما وهو في كل قضية يمارس المقارنة فيها ينتهي إلى إظهار الفرق الشاسع بين القرآن والكتاب المقدس باعتبار الأول كلي والثاني جزئي وربما وجدنا دائما تطورا ملحوظا بين التوراة والإنجيل نظرا لأسبقة الأول زمنيا وبالتالي يكون أقل تطورا من الثاني بطبيعة الحال وكلاهما جزئي موجه إلى أقوام معينين وفي زمن ومكان معينين بينما القرآن كلي شامل خاتم كامل موجه إلى البشر كافة في كل زمان ومكان والواضح أن القصد هو تسجيل هذه الحقيقة الواضحة فالمقارنة لا تصح أصلا بين الكل والجزئي بالإضافة إلى أن الجزئي تعرض للتشويه والتحريف وبقي الكلي سالما لم ينل منه أي تحريف أو تشويه ورغم كل هذا يتحدثون عن صواب الأول وانتحال الثاني وكونه ليس تنزيلا من السماء ولا مبلغه ومتلقيه برسول وقد يكون هذا هو هدف مالك بن نبي من هذه المقارنة المفصلة الدقيقة الحاسمة كما يفعل في كل موضوعات كتابه الأساسي "الظاهرة القرآنية" الذي أرسى فيه القاعدة الأساسية المتينة كما هي بطبيعتها وراح يشيد صرحه الحضاري الشامخ عليها بعد أن أنهى الجدل بالحجة والبرهان بكل الأدوات الحاسمة علما ومنطقا ومقارنة مباشرة دقيقة ومعمقة بين النصوص المتنوعة سواء كانت مرسلة سماوية أو موضوعة أرضية زمنية. لعلنا نضيف شيئا ما أو على الأقل نزيد الأمر وضوحا وعمقا ودقة عندما نناقش الموضوع ونتحاور فيه أثناء سهرتنا الفكرية الليلة.

_____________________________________________________________________


العلاقة بين القرآن والكتاب المقدس (تابع)



اجتماع


ص209 من كتاب الظاهرة القرآنبة لمالك بن نبي


https://docs.google.com/file/d/0B17bfkPordp2ekp6QzU3aFFxOUE/edit?pli=1

=================================


بعد إجراء المقارنة بين القرآن والكتاب المقدس في مواضيع شتى آخرها الأخلاق يتناول مالك بن نبي هذه المرة المقارنة بينهما في موضوع الاجتماع

حيث يعتبر الغرض من الشريعة الموسوية هو هو وضع مبادئ مجتمع ناشئ مغمور بين مجموعات الشعوب الوثنية لتوثق الصلاب بين أفراده. وبهذا تكون هذه الديانة قد تصورت المشاكل

الاجتماعية  من الوجهة اليهودية الداخلية الخاصة بهذا القسم من البشر دون سواهم.

فلما جاءت المسيحية وهي شريعة الحب لعيسى عليه السلام فإنها تجاوزت هذا الحيز لدى المجتمع اليهودي وشريعته إلى توسيع الحب إلى الوثنيين أيضا ففتحت باب الرحمة لأهل الفطرة من

الوثنيين يقول المؤلف.

فلما جاء القرآن فإننا نجده يتناول المشكلة الاجتماعية من الزاوية الإنسانية كلها (من قتل نفس بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا, ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا).

[المائدة 31/5]

يقول مالك بن نبي أن إحدى النتائج الخطيرة لهذا المبدأ العام هي وضع الرق في طريق الزوال لأول مرة في تاريخ البشرية. حيث كانت العبودية هي اساس النشاط في المجتمعات السابقة على

الإسلام.

"لقد جعل القرآن من تحرير العبيد مبدأ خلقيا عاما) يقول مالك. فالتوبة والغفران عن أخطاء المسلم مشروطة بتحرير عبد. وهنا يستناتج مالك بن نبي هذه النتيجة الحاسمة من المقارنة وهي:

"فإذا كنا قد لاحظنا التشابه بين القرآن والكتب المقدسة -فيما مضى من البحث- فإننا نلاحظ الآن الطابع المميز لصورته الخاصة".

نهاية ص 209 من كتاب الظاهرة.

=============================

كان مالك بن نبي يستنتج دائما فيما مضى  من المقارنة النتيجة نفسها وهي جزئية الكتاب المقدس في الزمان والمكاان والمرسل إليهم بينما القرآن متصفا دائما بالشمولية في الزمان والمكان والإنسانية كلها .. حتى وصل إلى المسألة الاجتماعية هذه المرة فوجد هذه النتيجة قد صارت أوضح وأكبر حيث إن الكتاب المقدس في قسمية التوراتي والإنجيلي موجه دائما إلى أقوام معينين في جزء من الزمان والمكان وهو يعتني بحل المشكلة الاجتماعية في تلك الحدود المحصورة المحددة بينما القرآن جاء ليحل المشكلة الاجتماعية للإنسانية جمعاء وفي جميع المكان والزمان وتلك هي ميزته كما يقول مالك بن نبي. فهل هذا هو سبب حقد أهل الكتاب عليه ومحاربته ونكران جوهره ومصدره والمبلغ له؟ ربما ولو أن هناك أسباب كثيرة كلها ذاتية ومغرضة ومشبوهة ولعل ذلك ما سيتضح لنا أكثر بالمناقشة والحوار أثناء سهرتنا الفكرية هذه الليلة في صفحة مالك بن نبي الجديدة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


العلاقة بين القرآن والكتاب المقدس (تابع)


تاريخ الوحدانية


كتاب الظاهرة القرآنية


ص 210
=========================

بعد هذا التمهيد يشرع مالك بن نبي في مقارنة اتخذ لها مثالا سورة يوسف كلها حيث يضع جدولا يسرد في خانته اليمنى آيات السورة واحدة بعد الأخرى وفي الخانة اليسرى يأتي بما يقابلها في الكتاب المقدس توراة كان أو إنجيلا. وتطول تلك المقارنة لينهيها مالك بالاستنتاجات والأحكام المترتبة على هذه المقارنة الطويلة لإنهاء الموضوع والحسم كما هو متوقع في موضوع النقد المغرض الكيدي الموجه للقرآن وصاحب الرسالة المحمدية نهائيا بتبيان لا يرد لقوة حجته مكانة القرآن مقارنة بالكتاب المقدس والأفضلية الواضحة للقرآن الكريم باعتباره الكل بينما الكتاب المقدس هو الجزء وما يترتب عن ذلك من نتائج حاسمة كما سنرى في المقارنة المفصلة لسورة يوسف وما ينتج عنه  منطقيا من نتائج حاسمة.

يتحدث مالك بن نبي عن تاريخ دين إبراهيم (الذي يضم أعمال الأنبياء ومناقبهم), كما يؤكد التشابه العجيب كما يقول بين القرآن  والكتاب المقدس الذي سيتضح من خلال المقارنة بين ما ورد في سورة يوسف في القرآن والكتاب المقدس. كما يذكر توالي تاريخ الأنبياء انطلاقا من إبراهيم فما بعده حتى النهاية. ويقول المؤلف متحدثا عن القرآن أنه أحيانا يذكر القصة نفسها الواردة في الكتاب المقدس وأحيانا أخرى ينفرد برواية تاريخية خاصة به. (مثل هود, وصالح  وناقته,   ولقمان, وأهل الكهف, وذي القرنين الخ ...)

   ثم يعود المؤلف ليؤكد التشابه العجيب بين القرآن والكتاب المقدس في قصصهما التاريخية ومعلنا عزمه على دراسة هذه المسألة دراسة مقارنة من خلال نص معين هو سورة يوسف الواردة في القرآن وفي الكتاب المقدس أيضا قائلا: (على أن التشابه هنا عجيب, كما سنرى في قصة يوسف, التي تواجه النقد بمشكلة خطيرة, فعلى هذا النبي نفسه لم بترددوا في أن يثيروا   بعض  الاعتراضات التي تثار الآن, وبعد ثلاثة عشر قرنا.).

     ثم لاحظ مالك بن نبي مسألة التشابه بين النصين على افتراض إغفال القيمة العلوية للقرآن منهجيا وإزالة كل الاعتبارات الأخرى عنه فإن التشابه العجيب بين الكتابين يبقى يقول المؤلف لغزا محيرا (غير مفهوم). ومن أجل بلوغ هذا الفهم ينبغي وضع جدول مقارن كما يقترح المؤلف ويكفي لذلك مثلا  واحدا هو قصة يوسف, (التي سنتحذها مقياسا لدراستنا النقدية لهذا الموضوع.). -نهاية ص 210- كما يختم مالك بن نبي تمهيده لهذه الدراسة التي سنشرع في قراءتها في الحلقة القادمة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا تمهيد لمقارنة بين القرآن والكتاب المقدس في موضوع قصة يوسف بعد مقارنات في موضوعات أخرى رأيناها تباعا ويبدو من الأهمية الخاصة التي أعطاها المؤلف للمقارنة في قصة يوسف باستعراض الصورة كلها ومتابعتها بدقة واستنتاج ما يترتب على ذلك على جميع الأصعدة والاعتبارات أن مالك بن نبي يريد الانتهاء إلى الحسم التام في الموضوع حتى لا يترك أي مجال للجدل العقيم المغرض في هذا الموضوع الجوهري الحساس في تاريخ الأديان السماوية كلها التي طالما اتخذت ذريعة لأمور أخرى ذات طابع ليس دائما دينيا ولا روحيا بأي حال. قد نجد في هذا التمهيد ما يثير مناقشات وحوارات ذات فائدة جمة في سهرتنا الفكرية الليلة في صفحة مالك بن نبي الجديدة كما هي العادة.
================================================================


 

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://benabbimalek.forumalgerie.net
 
القراءة التحليلية في كتاب "الظاهرة القرآنية " لمالك بن نبي ** عبد المالك حمروش ** الحلقة 25
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى مالك بن نبي فيلسوف الحضارة المعاصر :: الفئة الثانية :: القراءة التحليلية لكتاب الظاهرة القرآنية-
انتقل الى: