منتدى مالك بن نبي فيلسوف الحضارة المعاصر

مالك بن نبي مفكر جزائري عالمي معاصر تمكن بدافع حماسه الإيماني العميق وبفضل تمكنه من المنهج العلمي المعاصر من تشخثص مشكلات الحضارة الإسلامية خاصة ووضع الحلول المناسبة لها ..
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 القراءة التحليلية في كتاب "الظاهرة القرآنية" لمالك بن نبي ** الحلقة 19 ** عبد المالك حمروش

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبد المالك حمروش
مدير عام
مدير عام
avatar

عدد المساهمات : 354
تاريخ التسجيل : 14/04/2013

مُساهمةموضوع: القراءة التحليلية في كتاب "الظاهرة القرآنية" لمالك بن نبي ** الحلقة 19 ** عبد المالك حمروش   الجمعة يونيو 14, 2013 9:40 am




[center]الزواج والعزلة


    يروي مالك بن نبي قصة زواج محمد بن عبد الله من أرملة شريفة ثرية هي "خديجة" وكيف مانع في ذلك لتواضعه لكن غلامها "ميسرة" عرف كيف يقنعه كما أنها هي ذاتها تدخلت لتساهم في إقناع محمد, يقول المؤلف أننا ندين لهذا الأمر بتفصيل قيم بالنسبة للظاهرة القرآنية, حيث إن الأحداث الكبرى كالحروب مثلا تكون عادة مسبوقة, فقد كان أهل مكة ينتظرون النبي الموعود في سلالة إسماعيل, وكانت خديجة (نهاية ص 114) تطمح إلى الزواج بهذا النبي المنتظر .. لقد صارحت خديجة محمد باعتقادها في كونه النبي المنتظر فبادلها النبي الموعود بصراحة مماثلة وفي هذه الظروف النفسية يقول مالك بن نبي تم الزواج تاركا لنا بذلك أثرا مهما عن شخصية محمد وقد تم تسجيله في وثيقة قيمت تمثلت في خطبة عمه أبو طالب بهذه المناسبة حيث قالSadأما بعد:فإن محمدا ممن لا يوازن به فتى في قريش إلا رجح  به شرفا ونبلا وفضلا وعقلا, وإن كان في المال قُلاً فإن المال ظل زائل وعارية مسترجعة, وله في خديجة بنت خويلد رغبة, ولها فيه مثل ذلك)(1)

يقول مالك بن نبي أن هذه الصورة تتفق تماما مع شخصية الأمين وتنبئنا عن الحالة التاريخية لبطل أعظم ملحمة في التاريخ الديني كله. ومنذ هذه الحادثة تتغير حياة محمد رأسا على عقب ويعتزل المجتمع المكي حيث يتفرغ للعزلة والتأمل في غار حيراء تلك العزلة التي ستكون لها نتائجها الباهرة.

 يتساءل مالك بن نبي عن الزاد الروحي الذي اصطحبه محمد معه في عزلته التي أفضت بعد 15 عام إلى بداية العصر القرآني المجيد, يضيف من المعروف أن هناك توحيد تقليدي في المجتمع المكي الوثني لكنه يبقى مجرد شعار لا تطبيق له فالكعبة كانت معبدا للأصنام ومسرحا سياسيا للأسر النافذة أما الحياة الدينية فقد كانت قبلية, (تجعل "هبل واللات والعزى" على رأس مجموعة آلهة قبائل العرب كلها), أما الأسر الكبيرة في مكة فقد كانت تضيف إلى الوحدة الوثنية وفوقها وحدانية غامضة يقول المؤلف بسبب التأثير السياسي والتجاري وحفاظا على الذكرى التي يتمسكون بها باعتزاز عن جدهم الإول إسماعيل, غير أن هذه الذكرى العزيزة عليهم لم يكن لها تأثير على عقائدهم أو تقاليدهم الحربية, وذلك ما يفسر الصراع القاسي الذي سينشب بين المتمسكين بهذا التراث الجاهلي وانصار الدين الجديد "الإسلام".
فحتى أبو طالب مات على جاهليته ولم يستجب لتوسلات ابن أخيه النبي بالدخول في الإسلام إ شفاقا عليه ورحمة به وحبا له.
تلك هي الفكرة الغامضة عن الوحدة والتوحيد التي اصطحبها نبي المستقبل معه حين كان منعزلا يتأمل في غار حيراء الفكرة الموروثة عن أبيه إبراهيم الخليل وهي فكرة كانت مع موجودة لدى بعض المتصوفة النادرين يسمونهم "الحنفاء" الذين تركوا وثنيتهم وكانوا يعتكفون على عبادة إله واحد, غير أن حياة التصوف لهؤلاء النساك لم تكن مصحوبة بأي نظام خاص (نهاية ص 116) أو طقوس معينة, أي أنه لم يكن لهم أي اتصال روحي بأي طائفة من أهل الكتاب, فقد استقر الحنفاء في أماكن منعزلة دون أن يقطعوا صلتهم كلية بالمجتمع, لا طريقة لهم سوى ممارسة الزهد في الدنيا, وهو انعكاس للطبيعة الصحراوية في نفوسهم.

كان مالك بن نبي يتحدث عن الزهد وعدم اتصال الشاب محمد الموصوف بالأمين بأي معرفة للدين المسيحي حيث لم تكن في مكة أي كنيسة ولا في أطرافها ولا وجود لأي دير أو معبد لهذا الدين وكل ما كان هو هؤلاء الحنفاء الزهاد المعتزلون نسبيا للمجتمع والمعتكفون يعبدون الله الواحد الأحد حيث ورثوا فكرة التوحيد عن جدهم البعيد إسماعيل وبالتالي إبراهيم فكانت عزلة محمد بعد زواجه واعتكافه متأملا في غار حيراء شيء من هذا القبيل على طريقة الحنفاء الزهاد المعتزلين نسبيا لمجتمعهم وهم أفراد قلائل في المجتمع المكي والعربي عموما. ويرجع المؤلف سلوك الزهد هذا إلى طبيعة الصحراء القاسية وليس إلى أي ديانة مما يعني أن محمدا لم يتأثر بأي دين سابق ولم تكن له أي دراية بأي منها فهو مثل هؤلاء الأحناف متأثرا بظروف الصحراء الصعبة لا أقل من ذلك ولا أكثر.

يقول مالك بن نبي: "إن سلوك الأحناف الصوفي لم يمتد نحو الأخلاق المسيحية, أو الشريعة الموسوية, بل كان نظاما فرديا فطريا بسيطا, تجد مثاله الخلقي الصافي في أشعار قس بن ساعدة, فهو - على فرض نصرانيته كما يقولون - لم يترك للتاريخ سوى أبيات رائعة تمثل عبقرية الصحراء الصافية." ويقصد مالك بن نبي بهذا تأكيد انعدام أي صلة لنبي المستقبل بأي ديانة سابقة كما زعم الزاعمون فيما بعد من أعداء الإسلام فحتى هذا القس الذي قيل إنه نصراني لم يترك سوى شعر لا علاقة له بالدين المسيحي أو غيره بتاتا أي أنه حتى على فرض اطلاع محمد على هذا الشعر فإنه لا شيء فيه يوحي بالدين أي دين وإنما كان من وحي الصحراء وحدها.

يلح مالك بن نبي على أن سلوك الحنفاء الصوفي لا علاقة له بالأخلاق المسيحية أو الشريعة الموسوية إذ كان الطابع الإبراهيمي ظاهر نوعا ما في البيئة الجاهلية ومنه هؤلاء الأحناف ويكاد المؤلف يقول ومنهم محمد بن عبد الله وهذا الطابع الحنفي كان تقليدا عربيا محضا, لا صلى له بالتفكير اليهودي المسيحي الموروث منذ زمن طويل عن حركته الاولي المرتدة إلى موسى. ثم يضيف مالك مؤكدا أنه حتى في زماننا هذا أي بعد ثلاثة عشر قرنا لا نجد في بلاد العرب من الثقافة الإسلامية التي أثرت على العقل العربي الصحراوي لا نجد أثرا لأدب الديانات السابقة اليهودية المسيحية حيث إن كثيرا من المسلمين في شمال نجد لا زالوا يجهلون حتى الآن تاريخ (نهاية ص 117) هذا الأدب اليهودي المسيحي(1).

لهذا لا ننتظر من الحنفاء معرفة هامة موسعة بالفكر الديني ولا بتاريخ الوحدانية وايضا لا يمكن خروج طبيعة عزلة نبي المستقبل عما كان يفعله الحنفاء في تلك البيئة الصحراوية ومن المهم يقول المؤلف أن نؤكد على أن حالته أصدق من غيره كونه أميا لا يعرف القراءة والكتابة "فلم يكن ممكنا حصوله على أية معلومات مكتوبة". وبالإضافة إلى ذلك فإن المصادر المكتوبة كانت منعدمة تماما في محيط نبي المستقبل. لكننا لا ندري شيئا سوى بعض المعلومات عن حياته العائلية في تلك الفترة التي انعزل فيه متألا في غار حيراء والتي دامت خمسة عشر عاما كاملة أي أننا لا نعلم شيئا عن تنظيم حياته الروحية في تلك الفترة. "هل كان يغرق في تأمل عميق في المشكلة الدينية يقوده نوع من إلهام الدعوة المستقبلية؟". لقد أجاب المستشرق الشهير (درمنجهام) عن ذلك بنعم. لكنها إجابة لا تعدو في نظر مالك بن نبي سوى تخيل من هذا المستشرق لم يعتمد فيه على شهادة تاريخية غير قابلة للطعن والتجريح وهي شهادة القرآن(3), إذ أن حال الفكر عن النبي في ذلك الوقت يصوره القرآن في قوله تعالى: (نهاية ص 118): (وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ) [القصص 86/28].
معنى هذا أن محمد لم يكن لديه  أدنى أمل في النبوة لا قبل عزلته ولا خلالها وهو المعنى النفسي الذي غاب عن الأستاذ (درمنجهام) بالرغم من أنه لم يشك في صحة القرآن يقل بن نبي. مما يعني الإخلاص المطلق عند النبي, وذاك ما يؤدي إلى الوثوق التاريخي بالكتاب العزيز الذي يعكس كالمرآة الذات المحمدية في أطوارها المختلفة, وهكذا نجد في الآية السابقة الصورة النفسية الصحيحة لمحمد أيام غار حراء, وهذا ما ينفي نفيا مطلقا أ ية نية مبيتة لديه في النبوة أو سعي إليها, عندما اعتزل بعد زواجه,  لكن هناك نقطة غامضة هي أن المؤرخين المحدثين يتعجبون من عدم وجود معلومات كافية عن هذه الفترة الهامة -من الناحية النفسية- في مستقبل الدعوة فترة العزلة, يوافق مالك بن نبي على هذه الملاحظة ويعترف بعدم وجود معلومات مفصلة في السيرة النبوية حقا عن هذه الحقبة التي طالت خمسة عشر عاما كاملة غير أنه يقلل من أهمية هذا الأمر كون معاصري محمد لم يجدوا له أهمية تستوجب التفصيل والتدقيق, فكل ما يستحق الذكر في الموضوع هو أن نبي المستقبل قد ابتعد عن مكة وظل معتزلا في غار حراء هذه المدة وهذا كل ما هنا لك ولا عجب في هذا أبدا .. (نهاية ص 119) .. في هذه الصفحة يواصل مالك بن نبي عمليته التحليلية النقدية لتاريخ ما قبل البعثة المحمدية ليبني على ذلك الأساس المتين فيما بعد وضوح كل ما يتصل بشخص النبي قبل البعثة من أمانة وصفاء ونقاء في ذاته وفيما اتصل به من أحداث وتطورات كلها تشهد على صدقه كشخص وكونه من ناحية أخرى لم يكن يقصد إلى دعوة لأي غرض كان وأيضا كونه شخصا طبيعيا لا يقوى على أي خوارق مثل غيره من الناس تماما من هذه الناحية ما عدا صفات الكمال البشري التي تميزه عن غيره لكن في إطار بشري دائما وليس أكبر منه أو أنه اتصف بما يستحيل على البشر الاتصاف به, وكل هذا في سياق البحث الموضوعي الدقيق قدر ما هو ممكن للبشر يقوم به مفكرنا الكبير ليقطع الطريق أمام المستشرقين وغيرهم ممن حاولوا المستحيل وفشلوا الفشل الذريع في إثارة الشكوك حول الدين الإسلامي الحنيف لأغراض معروفة رسموها مسبقا ويأتي مالك بن نبي ليقطع دابر هؤلاء المفترين نهائيا فلا تقوم لهم بعد دراسته العبقرية أية قائمة. (ص119)

في صفحة 120 يتابع مالك بن نبي دائما الحديث عن فترة غار حراء فيتحدث مالك بن نبي هنا عما كان بصدده وهو شح المعلومات في السيرة عن فترة غار حراء ويعطي للسيرة حقها ويثبت عكس ما هي متهمة به من مبالغة مماىدل على أن السيرة موضوعية وصارمة ولا شيء يبرر اتهامها بالتحيز أو الذاتية بل بالعكس هي متحوطة وحذرة ولا تستسلم للهوى والذاتية. وفي الفقرة الثانية من ذات الصفحة يشرح مالك بن نبي مسار تناوله للموضوع وغرضه من ذلك ومنهجيته فيقرر الحاجة والاضطرار بسبب نقص المعلومات عن فترة غار حراء اللجوء إلى ما اسماه المراجع والوثائق النفسية التي يقدمها القرآن, والسبب الذي يحتم هذا اللجوء هو "اطراد" ذات النبي أي بقاؤها دائما على طبيعتها دون تغيير, يظهر ذلك جليا في تشابه تصرفات هذه الذات طوال حياة صاحبها, وهذا بداية من واقعة زواجه الذي سمح لنا يقول بن نبي جمع بعض المعارف الموضوعية عن تلك الذات, أي ذات محمد, مما يوحي بأن ظروف الزواج كانت غنية بالمعلومات التي وردت في السيرة والتاريخ عن ذات النبي وهي صفات حقيقية وموضوعية جاءت بها الروايات التي لا سبيل إلى تطرق الشك إليها علميا لأسباب مقنعة علميا ومنطقيا. في الفقرة الموالية يقرر مالك بن نبي أنه لا شيء أن فترة غار حراء البالغة خمسة عشر عاما ليست كما أراد البعض المبالغة في أمرها حيث إنها لا تزيد ولا تنقص شيئا من شخصية محمد وسيرته وصفاته وسلوكه وكل ما في الأمر أنه اختفى من التاريخ معتزلا ليعود فيما بعد إلى الحياة العامة فترة تطول ثلاثة وعشرين عاما كاملة بنشاط كبير وفعالية أيضا كما لم يفعل أبدا في تاريخ حياته, بمعنى أن فترة العزلة في غار حراء لا توجد بشأنها معلومات كثيرة لكن ذلك لا يهم في شيء ولا يشكل أي نقص أو سلبيات في شخص النبي ولا فيما سيقوم به من بعد عند تلقي الرسالة والقيام بها خير قيام, في نهاية المطاف يثبت مالك بن نبي أن هذه المسألة لا يمكن أن تكون مثارا لأي شكوك أو انتقاد لا معنى له يمكن أن يحاول البعض بل حاولوا فتح ثغرة لتوجيه النقد والتشكيك فجاء مالك بن نبي وسدها نهائيا بما لا يقبل الرجوع إليها ثانية ومحاولة الاستغلال السلبي لها. بحث قضية نقص المعلومات التاريخية عن فترة عزلة محمد أو اعتزاله في غار حراء وهي الفترة التي استغرقت خمسة عشر عاما كاملا وأراد بعض المغرضين إثارتها كمشكلة ينطلقون منها إلى التشكيك في الرسالة المحمدية على أساس أن تلك العزلة كانت فترة عمل وتزييف وانتحال واقتطاع من الرسالات السابقة وغيرها من المصادر التي يكون قد اعتمد عليها محمد لتلفيق رسالته كما زعموا وهذا ما يريد مالك بن نبي أن يمحوه نهائيا ويسحبه من التداول وقد استطاع أن يفعل ذلك بمهارة فائقة كما لم يقدر على ذلك أي أحد آخر من قبله ولا من بعده.
_يرى مالك بن نبي أن قلة المعلوما التاريخية في السيرة وغيرها عن فترة العزلة مسألة موضوعية لأنها عزلة لا حوادث فيها إلا ما كان نفسيا فلا يتحدث عنها إلا صاحبها إن أراد وإن لم يجد حاجة إلى ذلك فالأمر طبيعي جدا ومن الغريب حقا أن يجعل منها البعض مشكلة مفتعلة يريدون بها أغراضا أخرى لا تتحملها العزلة في حد ذاتها وما كان لها أن تثير مثل هذه الضجة المغرضة لولا أنها كانت متعلقة برسول هو رسول الإسلام بالذات وهو الموضوع الذي يغلقه مالك بن نبي نهائيا وبحجج منطقية وموضوعية لا يستطيع أحد أي كان ومهما كان أن يردها. هناك ملاحظة ضرورية تتعلق بكلمة "التافه" التي استعملها المترجم عند حديث بن نبي عن كوننا نعرف كل التفاصيل عن حياة المصطفى في المرحلة القرآنية كل التفاصيل عن حياته الزوجية حتى "التافه" منها لا أدري ما هي الكلمة الفرنسية التي استعملها المؤلف إلا أن الترجمة الحرفية هنا غير مقبولة ولا يمكن أن يقصد هذا المعنى مالك بن نبي وإنما الخطأ يعود لسوء تقدير المعنى من المترجم فيكون قد وقع في زلل الترجمة الحرفية لنص مالك بالفرنسية .. هذه ملاحظة واجبة على أي حال لتصحيح الوضع إذ لا يمكن أن يصدر عن محمد الإنسان سلوكا تافها فما بالك وقد أصبح نبيا مرسلا؟
إذن تفاصيل التفاصيل التي تذكرها السيرة فيما بعد عن حياته القرآنية تكفي يقول بن نبي لمعرفة حقيقة عزلته كيف كان يقضيها لمن يريد ذلك ولا داعي لافتعال أي ضجة لا معنى لها في الموضوع فالرجل منظم غاية التنظيم ولصفة الاطراد في شخصيته وسيرته بمعنى جريانها على نفس النظام دون تغيير ولا اختلال يمكن استنتاج ما كان يشغل به وقته بكل سهولة وينتهي الأمر هكذا واقعيا ومنطقيا لمن يريد الحقيقة وأيضا لمن يريد غيرها لأنه بعد هذا التوضيح المنطقي العلمي الواقعي الموضوعي لا يمكن أن يستمع إليه عاقل .. وقت محمد كان مقسم إلى ثلاث كما قال هو نفسه وكما لاحظه العارفين له هي: "وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبا على عقله أن يكون له ساعات, ساعة يناجي فيها ربه, وساعة يحاسب فيها نفسه, وساعة يتفكر فيها في صنع الله, وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم من المطعم والمشرب, وعلى العاقل أن يكون ظاعنا إلا لثلاث: تزود لمعاد, أو مرمة لمعاش, أو لذة في غير محرم (4)
_يستنتج العلامة مالك بن نبي أن هذا هو النظام الصارم التنظيم لحياة محمد الشخص المنضبط الخلوق الذي يستعمل وقته على نحو ثابت لا يتغير كما عرفه الناس قبل النبوة وبعدها ولما هو ثابت من قواعد سلوكه فذاك كاف جدا لمعرفة كيفية قضاء وقته في العزلة خاصة لأن الشخص في هذه الحالة لا تشغله شواغل أخرى قد تغير ولو تغييرا طفيفا من عاداته وطرائق عمله وقضاء وقته أما في العزلة فلا وحود لأي مؤثر يحوله عما كان فيه دائما ولذلك على من يريد أن يعرف ما ذا كان يفعله محمدا في عزلته أن يطلع عن نظام حياته في المرحلة القرآنية وليقرأ هذا الحديث الشريف الذي ينصح فيه عقلاء الناس مزودا لهم بالكيفية السليمة لقضاء أوقاتهم ليفهم بما يدع مجالا للشك الموضوعي المنطقي في وجود انشغالات أخرى خارج هذا النطاق لمحمد الأمين أثناء عزلته .. وبهذا يكون العبقري مالك بن نبي قد أغلق الحديث في هذا الموضوع غلقا محكما وسد الطريق عن العابثين نهائيا ونصر الإسلام في هذا العصر المضطرب نصرا مبينا فجزاه الله خير الجزاء. نهاية ص120
الصفحة 121 من كتاب الظاهرة القرآنية يواصل في نصفها الأول مالك بن نبي تناول قضية غار حراء في موضوع ما قبل البعثة وفي النصف الثاني ينتقل إلى "العصر القرآني " مما يجعلنا نكتفي في هذه الجلسة بالنصف الأول من الصفحة لبلوغ النهاية في الموضوعة السابق "ما قبل البعثة" ومنه "الزواج والعزلة" وبصفة خاصة غار حراء الذي أثار بعض الجدل واللغط قصد الإساءة والتشكيك وهو ما دفع مالك بن نبي إلى تناوله وحسمه نهائيا.
يلاحظ مالك بن نبي أن العادات الشخصية تتكون منذ فترة المراهقة وعادة تبقى ثابتة مدى الحياة وكما قيل: فإن العادة طبيعة ثانية وهذا ما هو متوقع من شخص محمد الذي كما عرف عنه فيما بعد أنه يقوم طويلا أثناء الليل يصلي النافلة وهو يقول مالك بن نبي ما يكون قد قام به أيام عزلته ربما ليس بهذا المعنى الدقيق ولكن ربما كان يسهر متأملا ومتفكرا في أسرار الكون وظواهره الدالة على صانعه سبحانه الذي يكون قد عرفه عقليا قبل أن يرتبط به عن طريق الوحي الهابط عليه فيما بعد.
يضيف مالك بن نبي أن النبي كان يخصص وقتا كبيرا للصلاة في المرحلة القرآنية بالرغم من انشغالاته الكثيرة بالشؤون العامة وكثيرا من تفاصيل مهمته الجديدة فمن الأحرى أنه كان يخصص وقتا أطول للتعبد أو التأمل في ملكوت السماوات والأرض أثناء عزلته حيث لم يكن يشغله أي شيء آخر وعلى أي حال فقد رأيناه يقسم أوقاته وينصح أتباعه بذلك إلى ثلاث هي العبادة والعمل والمتعة الحلال وهو نفس التقسيم الذي قد يختلف شيئا ما في الممارسة لكنه جوهريا يبقى ثابتا لعلاقته بشخصية محمد الأمين أيام العزلة التي لم يهتم بها أحد ولم ينتشر خبرها إلا في أواخرها, لهذا يختم مالك بن نبي الموضوع ألا غرابة في فقدان وثائق تؤرخ لفترة العزلة لأنها بلا أحداث أو هي كما قال من الناحية الموضوعية "بدون تاريخ" ما دام التاريخ في جوهره حوادث وفترة العزلة كانت خالية منها فمن الطبيعي أن تكون عديمة التوثيق لانعدام الحوادث أي بلا تاريخ لأن خبر العزلة لم يبلغ الناس إلا في نهايتها ومع الظهور المثير للنبي المنتظر .. وهكذا يكون مالك بن نبي قد وضع نقطة النهاية الحاسمة لموضوع العزلة معتبرا إياها بصفة موضوعية ومنطقية فترة خالية من الحوادث والأخبار وبالتالي التوقيت ومن لأنها طبيعيا وعمليا كانت كذلك ولهذا يكون من يثيرها للتشكيك في الرسالة والرسول قد ضل السبيل وكلامه عبثي لا معنى له لأنه يطلب شيئا لا وجود له أصلا لأن طبيعة العزلة تقتضي أن يكون الأمر كما وقع ومن يريد اتخاذ هذه النقطة مطية للشك والتشكيك يكون قد وقع في خطأ منطقي وفكري وعملي يجعله هو الملام والعاجز عن التفكير السليم أو انه يقصد الإساءة والتشكيك فانقلب السحر على الساحر ليصبح تفكيره محل شك وتشكيك وضعف وتهافت لا يثبت أمام النقد المحقق القويم وبهذا يكون مالك بن نبي قد أنهى العبث الذي مارسه البعض اعتمادا على حادثة العزلة نهائيا ولن يجرؤ أحد بعد اليوم على العودة إلى هذا الموضوع قاصدا الإساءة والتشكيك. نهاية ص 121 وموضع ما قبل البعثة.
______
(1) يجب أن يقصد بهذه العزلة المعنى الأعم, إذ هي عزلة الرجل الذي لم ينسحب من المجتمع كلية. ولكن التاريخ لم يحدثنا عن أنه كان يحترف التجارة أثناء تلك الحقبة, ولو كان قد قام برحلات كتلك التي قام بها قبل الزواج لذكرتها السيرة, ويبدو أن ثروة السيدة خديجة قد حملت عنه بعض العبء  ص 115                                                "المؤلف"
(2) رزوان Raswan) دراسة اجتماعية.

(3) باعتبار القرآن في هذا السياق مجرد وثيقة تاريخية
(4)رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم. وقال صحيح الإسناد عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه (المترجم) ص120
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://benabbimalek.forumalgerie.net
 
القراءة التحليلية في كتاب "الظاهرة القرآنية" لمالك بن نبي ** الحلقة 19 ** عبد المالك حمروش
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى مالك بن نبي فيلسوف الحضارة المعاصر :: الفئة الثانية :: القراءة التحليلية لكتاب الظاهرة القرآنية-
انتقل الى: