منتدى مالك بن نبي فيلسوف الحضارة المعاصر

مالك بن نبي مفكر جزائري عالمي معاصر تمكن بدافع حماسه الإيماني العميق وبفضل تمكنه من المنهج العلمي المعاصر من تشخثص مشكلات الحضارة الإسلامية خاصة ووضع الحلول المناسبة لها ..
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 القراءة التحليلية في كتاب "الظاهرة القرآنية " لمالك بن نبي ** عبد المالك حمروش ** الحلقة (23)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبد المالك حمروش
مدير عام
مدير عام
avatar

عدد المساهمات : 354
تاريخ التسجيل : 14/04/2013

مُساهمةموضوع: القراءة التحليلية في كتاب "الظاهرة القرآنية " لمالك بن نبي ** عبد المالك حمروش ** الحلقة (23)    الأحد فبراير 16, 2014 7:48 pm

القراءة التحليلية في كتاب "الظاهرة القرآنية " لمالك بن نبي ** عبد المالك حمروش ** الحلقة (23)  


اقتناعه الشحصي

مقياسه الظاهري
مقياسه العقلي


السلام عليكم .. مساء الخير
موضوع اليوم هو اقتناعه الشخصي
مقياسه الظاهري
مقياسه العقلي
هذا الموضوع الذي يقع دائما في سياق كفية الوحي عند المؤلف مالك بن نبي
والمقصود هو اقتناع النبي (ص) وهذا في مجال تلقي الوحي واقتناعه بأنه رسالة من عند الله عز وجل وهو الجانب الذي لم يدركه من سماهم مالك بن نبي الكتاب المحدثين, وهو يعني عادة بهذه التسميات خاصة المستشرقين وتلاميذهم العرب والمسلمين ومن لف لفهم من الفكرين الغربيين عامة والمبشرين وما إلى ذلك من أعداء الإسلام عن قصد أو عن غير قصد إذن هم يغفلون أو يتغافلون أو ربما يجهلون هذالإقتناع الشخصي للرسول الكريم والذي هو "حقيقة نفسية جوهرية" كما قال في شخص النبي. نهاية ص147  .. ثم يؤكد معتبرا ذلك واضحا بأن النبي(ص) هو الشاهد المباشر الوحيد على هذه الظاهرة مما يعطي "هذه الحقيقة قيمة استثنائية خاصة" يقول مالك. أي أن ظاهرة الوحي وأيضا معها ظاهرة الاقتناع الشخصي مسألة خاصة بالرسول وحده لا يشاركه فيها أي كان من البشر وهذه الخصوصية تعطي للموضوع "الوحي" قيمة استثنائية خاصة فهو خاص بالرسول واستثنائي لا يعرفه غيره من البشر مما يعني أن دراسة هذا الموضوع ضمن علم النفس او غيره من العلوم البشرية أمر مستحيل وبما أن هؤلاء الذين أرادوا أو أريد لبعضهم التشكيك في الرسالة والرسول اعتمدوا على علم النفس فإن اعتمادهم ذاك باطل من أساسه وبالتالي فإن ما ادعوه وزعموه من التشكيك لا أساس له وهو مجرد لغو باطل لأن ما بيني على باطل فهو باطل وهكذا يحسم مالك بن نبي الموضوع نهائيا فلم تقم بعد ذلك  قائمة لمن ملأوا الدنيا ضجيجا وكأنهم اكتشفوا أسرار الكون كله وإذا بهم يقيمون بناء شامخا من خيالهم المريض قصورا فوق الرمال أو هم كمن يحرث في البحر فلله درك يا مالك بن نبي أيها العلامة المسلم الحجة الدامغة والبرهان القاطع على صدق الرسالة والرسول وكذب أعدائه الضالين التائهين الحائرين.
بعدها أثناء ص 148 يبين مالك بن نبي بطلان ما ذهب إليه هؤلاء ودجلهم واعتمادهم على قاعدة لا أساس لها ووقوعهم في التناقض الصارخ .. لكن لنترك ذلك إلى الجلسة القادمة لنفسح  المجال في هذه السهرة لهذه القضية طرحا وتوضيحا وتمثلا .. اقتناعه الشخصي .. مرحبا بكم في هذا الموضوع المفتوح للحوار والنقاش والإثراء والتصور الواضح.

السلام عليكم .. مساء الخير .. هذا هو موضوع مداخلتي اليوم لتطلعوا عليه لتناقش فيه ونتحاور بعد بضعة دقائق إنه موضوع الاقتناع الشخصي اليقيني لدى الرسول (ص) من مصدر الوحي مما يجعله موضوعا أو حالة نفسية ليست موجودة لدى بقية الناس وبالتالي فإن علم النفس لا يستطيع دراسة هذه الظاهرة وهو العلم الذي اعتمد عليه المستشرقون والمبشرون ومفكرو الاستعمار عامة وتلاميذه المضللون الضالون المستلبون المغربون من العرب والمسلمين في محاولة يائسة بائسة للتشكيك في الرسالة والرسول وهو ما نسفه مالك بن نبي من أساسه باستعمال العلم ذاته .. وإليكم النص المقترح للمناقشة والحوار والإثراء:
إذن في ص 148 نتابع دائما فكرة مالك بن نبي عما سماه "اقتناعه الشخصي" أي الرسول (ص) اقتناعه بأن الوحي مصدره الله سبحانه اقتناعا يقينيا لا يمكن لغير النبي المرسل أن يصل إليه, وهو هنا بصدد التمهيد الذي سيفصل فيه الكلام عندما يتحدث عن المقياس الظاهري لهذا الاقتناع وعن مقياسه العقلي, هذا الاقتناع حقيقة أساسية في نظر مالك بن نبي وإن كان التزامه هو كما يقول استخلاص النتائج مباشرة عن الظاهرة القرآنية من تحليل القرآن ذاته. ولدراسة موضوع الاقتناع الشخصي للنبي أو العملية التي تتسبب فيه حيث إن الطريقة التي سلكها النبي الكريم لا تخرج عن نطاق القواعد التي يخضع لها فكر موضوعي كفكره, بمعنى أن الأمر لا يخرج عن الطبيعة البشرية وما يمكن لبشر متميز بالغا درجة الكمال البشري بفضل مساعيه الشخصية للاكتمال ثم تأتي بعد ذلك عملية خارجية غيبية لا لتغير طبيعته أو طبيعة تفكيره ولكن لتميزه باكتساب قدرات لا يمكن لأي إنسان آخر أن يبلغها ما لم تهبه القدرة الإلهية وحيا يعده لمهمة خاصة هي هنا فهم القرآن الكريم وتبليغه, يذكر مالك بن نبي أن تكوين النبي من هذه الناحية بداية من الأحداث المحسوسة التي تعرض لها والتي لفتت نظره للظاهرة القرآنية, ثم تناول فكره بعد ذلك لهذه الحوادث للتأكد من أنها موضوعية, أي لها وجود حقيقي وليست مجرد تصورات عارضة دون أن يكون لها مصدر خاص تصدر عنه, ومن هنا يقول مالك بن نبي كان النبي الكريم بحاجة إلى مقياسين يدعم بهما اقتناعه الشخصي اليقيني بمصدر الوحي هما:

(أ) مقياس ظاهري للتحقق من وقوع الظاهرة

(ن) مقياس عقلي لمناقشتها وتسويغها

بمعنى أنه يتعرض لتجربة يفكر فيها ويعانيها قبل ذلك وتتعامل معها حواسه وجوارحه كبشر ويتأكد من وقوعها حسيا وبعد ذلك يعالجها بفكره البشري أيضا فلا يسلم بها تسليما بل يتعامل معها فكريا كما يفعل أي فكر آخر ولا يميزه عن بقية الناس سوى أنه هو الوحيد ولا يشاركه في هذه التجربة سوى الأنبياء والمرسلين السابقين سواء كانت لديهم بنفس الكيفية أو اختلفت لكنها تبقى ظاهرة حسية وفكرية خاصة بهذه الفئة من البشر التي حباها الله سبحانه وميزها بتلقي رسالة من عنده .. وربما يستحسن أن نتوقف هنا لنشرع في المرة القادمة في تحليل المقياس الأول الذي هو المقياس الظاهري ويبدو أن مالك بن نبي يقصد به المقياس الحسي وإلى حد ما التجريبي .. ليكون موعدنا القادم مع المقياس الظاهري قبل نهاية ص149

مقياسه الظاهري
يصف مالك بن نبي بداية ظاهرة الوحي حيث يجد النبي الكريم نفسه كما يقول: "يجد النبي نفسه فجأة موضوعا لظاهرة غير مألوفة", ‘نها جملة في منتهى الأهمية تقع في صلب غاية مالك بن نبي من دراسة الظاهرة القرآنية لتكون أساسا متينا للصرح الفكري الحضاري الذي سيشيده بعد إرساء هذه القاعدة الصلبة التي من مراميها القضاء على المفكر المعادي الذي سعى إلى التشكيك في الرسالة والرسول مبتغيا تقويض الصرح الإسلامي برمته, فكان أن انبرى له من صلب الأمة ابنها البار مالك بن نبي ليرد الصاع للعدو صاعين ويسفه أحلامه وينهي مكائده نهاية حاسمة لا قيام لها بعد ذلك. لقد فوجئ محمد بظاهرة الوحي غير المالوفة فجأة أي لم يسبق للبشر أن عرفوها فيما عدا الأنبياء والرسل منهم وبصورة غير متوقعة لأنها تأتي من خارج الطبيعة البشرية وكذا الإرادة الشخصية مما يستحيل على علم النفس دراسة مثل هذه الظاهرة الخارقة للعادة كما ادعى مفكرو الاستعمار واتباعهم ذلك. واقرأوا في نهاية ص 149 كيف وصف مالك بن نبي اللحظات الأولى لنزول الوحي وتأثيرها البالغ في نفس محمد .. بهذا تنتهي صفحة 149 وننتقل إلى ما بعدها ص 150. لقد احتار الرسول وانبهر وشك في جوارحه وحقيقة ما رأى هل هو حادث فعلي أم مجرد وهم وخيال وحلم وخداع حواس؟ أسئلة يقول مالك كان لا بد أن تثار في نفس النبي كما في النقد المعاصر وفي عضره أيضا. وفي قمة اضطراب النبي وانفعاله يسرع يقول مالك بن نبي إلى شريكة حياته الحنون خديجة ليشركها فيما هو من أمر غير عادي مرعب فتطمئنه وتهنئه بالرغم مما أصابها هي الأخرى من حيرة قائلة (اثبت وابشرفوالله إنه ملك, ما هو بشيطان) (1).
ذهب مالك بن نبي بعد ذلك إلى أن عصرنا المولع بالعلم قد يعتبر مثل هذه الظاهرة مجرد حادثة ذاتية محضة أي نفسية خاصة وأن خديجة لم تشاهدها بل سمعت عنها من زوجها فقط والمؤلف يشير بهذا إلى تأويلات الدارسون الغربيون أ و النقاد كما يقول وأتباعهم العرب والمسلمون لذلك يفند هذا الزعم بحجج علمية دامغة منها من ذات العلم المعاصر حيث إن الرؤية الحسية ليست دليلا كافيا على حدوث الظاهرة كما هو الأمر في عمى الألوان أو تفاوت الرؤية بين العيون حسب قوتها البصرية بحيث إن هناك بعض الألوان لا تراها سوى بعض العيون وليست كلها كما أن هناك إشعاعات لا تراها أعيننا (نهاية ص 150) .. بالإضافة يقول مالك بن نبي في الصفحة الموالية (151) أن لظاهرة الوحي دلائل حسية يشعر بها بعض من حدثت في حضورهم كما سنراها لاحق. والمقصود هو أن الإحساس ليس معيار العلم ولا هو دليل كاف على الحقيقة كما يريد النقاد الغربيون الواهمون المديدون أن يثبتوا ذلك حتى يجعلوا من ظاهرة الوحي مجرد ظاهرة نفسية عادية مثل الإلهام يمكن أن تحدث لدى كل البشر ومنهم محمد مما يردي إلى التشكيك في ظاهرة الوحي ذاتها ويصبح نكران الرسول والرسالة أمر ممكنا .. وذاك ما نفاه مالك بن نبي باستعمال نفس العلوم التي أرادوا الاعتماد عليها في بهتانهم والتي يتقنها أحسن منهم فأخرسهم إلى الأبد .. نبقى في ص 151 لنتمها في الجلسة القادمة بحول الله .. أشكر صبركم وعناءكم وتحملكم مشقة المتابعة الفكرية المضنية. 

نواصل من حيث توقفنا في الجلسة الماضية في منتصف ص 151 .. حيث يستمر المفكر مالك بن نبي في الحديث عن المقياس العقلي وأيضا الظاهري لوقوع ظاهرة الوحي مميزا لها عن الظواهر النفسية العادية التي تقع لجميع الناس والتي يمكن إخضاعها للدراسات العلمية النفسية كما أراد الدارسون الغربيون ومنهم المستشرقون وحتى تلاميذهم العرب والمسلمون التعامل مع ظاهرة الوحي من إجل الوصول إلى نفيها .. يتحدث مالك عن الحالة الأولى لتلقي الوحي وفي هذا يعتبر الرسول هو الشاهد "الممتاز" على حدوث الظاهرة أي أنه لا شاهد آخر غيره مما يعني أن الظاهرة خاصة ولا يشترك فيها معه أحد اللهم إلا مثيلاتها لدى الأنبياء والمرسلين ويبقى ما هو خاص به لا يشاركه فيه أحد .. ويذهب مفكرنا في هذا الصدد إلى حد اعتبار جهاز الاستقبال الحسي والملاحظة عند الرسول (ص) يتميز عن مثيله عند بقية البشر يقول: (وفي محيط النبوة يمكن أن نتصل بوضع خاص بالنبي في استقبال موجات ذات طبيعة خاصة). مما يدفع إلى التساؤل هل طبيعة الجسم النبوي وأحاسيسه بالتالي تختلف عن تلك التي لجميع الناس؟ وإن كان سياق حديث فيلسوفنا لا يذهب هذا المذهب بل يؤكد البشرية الخالصة لشخص النبي لكنه في مسألة الوحي يجعله متكيفا مع هذه الظاهرة الخاصة ومكتسبا لقدرات ربما يمكن لجميع البشر أن يكتسبوها لو مروا بنفس التجربة وهكذا يضرب مالك بن نبي عصفورين بحجر واحد هما الحفاظ على الطبيعة البشرية الصرفة لشخص الرسول وفي ذات الوقت تميزه عن باقي الناس نتيجة تكيف يحصل له بسبب تعامله مع ظاهرة الوحي الخاصة به كواحد من الأنبياء والرسل وليست متيسرة لجميع البشر الآخرين لا بطبيعتهم ولكن لأنهم لم يمروا بنفس الحالة ولم يخوضوا نفس التجربة. ثم يروي المؤلف الحالة النفسية الصعبة لتلقي الوحي في المرة الأولى ثم في الثانية حيث حضر جبريل حسيا في هيئة رجل شاهده محمد رسول الله وتلقى منه أمر "اقرأ". نهاية ص 151. في الصفحة الموالية 152 يواصل المؤلف وصف الظاهرة التي جاءت هذه المرة مسموعة ومرئية وهي تثبت بما يدع مجالا للشك أنها ليست خيالا ولا هلوسة وإنما هي ظاهرة حقيقية لا يرقى إليها الشك ولا يتطرق بأي حال من الأحوال في منظور النقد الذاتي للنبي وهو يتأكد مما يعتري حواسه وشخصه من معاناة كبيرة لظاهرة لم يسبق له معرفتها ولا التعامل معها .. ومما يزيد الظاهرة تأكيدا هو أمر القراءة الموجه إلى أمي يقول بن نبي وهذا تكون المشاهدة التي قام بها النبي للظاهرة محيرة ومتشابكة مختلطة مما يجعله يحزم أمره ويعود سريعا من غار حراء إلى مكة مضطربا كما لم يحصل له أبدا خائر القوى في حاجة إلى من يساعده ويطمئنه فتقوم خديذة بما أمكنها من ذلك فينام إلا أنه يستفيق مرتعبا على صوت كان قد استمع إليه في غار حراء يناديه (قم فأنذر) .. [المدثر 2/74]
ولأول مرة هنا يدرك النبي أهمية ظاهرة الوحي في حياته الخاصة مما جعله يعبر عن ذلك الاقتناع محدثا خديجة: (لقد أمرني جبريل أن أنذر الناس, فمنذا أدعو, ومنذا يستجيب؟), إنه يقين يقول مالك بن نبي نلاحظ فيه شكا بالرغم من أنه يقين لا يتزعزع حتى نهاية الدعوة ومما يشهد على ذلك جوابه لعمه أبي طالب عندما عرضت عليه قريش عروضا مغرية ليتخلى عن الدعوة مقابلها, لكنه مع ذلك لم يكن متيقنا من النجاح نظرا للوضع الخارجي الصعب .. ما ذا يكون رد فعل الناس؟ إن استجابتهم شبه مستحيلة بالرغم من اليقين الذي لا يتزعزع الحاصل في نفس الرسول على أن الدعوة رسالة ربانية لا ريب فيها (نهاية ص 152) .. ولنتوقف هنا لنشرع في المرة القادمة من بداية ص 153. 

تحدث مالك بن نبي دائما في سياق الحلقة 23 حسب ترتيبي للحلقات منذ بداية تحليل الكتاب, يتحدث عن استمرار تيار الوحي الذي تصاحبه بعض الظواهر العضوية لفتت انتباه النبي, فكل وحي تصاحبه يقول ابن نبي أعراض خاصة يقصد أحوالا جسمية معينة تدل عليه ويذكر أنه سيحدث أصحابه فيما بعد عن سماعه لدوي قبل بداية ظاهرة نزول الوحي في مرة ما شبيه بدوي النحل عندما ينطلق من خليته أحيانا وفي مرات أخرى يكون أقوى وكأنه صلصلة جرس كما يقول المؤلف.

كذلك يقول إن أصحابه قد لاحظوا عليه شحوبا مفاجئا يسبق نزول الوحي يكون متبوعا باحتقان في وجهه (ص) يشعر به هو نفسه أيضا (1) لذلك يأمرهم بوضع ستار على وجهه (2) كلما طرأت ظاهرة الوحي. وعن هذا يتساءل مالك بن نبي: "ألا يعني هذا الاحتياط أن هذه الظاهرة كانت مستقلة عن إرادة النبي (ص) حتى يصبح مؤقتا عاجزا عن أن يغطي وجهه بنفسه, وهو يعاني حالة متناهية الإيلام كما روت السيرة"؟.

وعن هذا الأمر يتحدث مالك بن نبي عن تعجل من يسميهم "النقاد" وهو يعني بذلك عادة الدارسين الغربيين من مستشرقين وغيرهم وتلاميذهم العرب والمسلمين المتأثرين بهم .. تعجلوا عندما اعتبروا هذه الدلائل النفسية للوحي أعراضا للتشنج وهو خطأ مزدوج وقع فيه هؤلاء يقول مالك بن نبي من حيث يتخذون من هذه الأعراض الخارجية مقياسا يحكمون به على الظاهرة القرآنية كلها .. وإنه لمن الضروري يقول مالك بن نبي أن نأخذ في الاعتبار في البداية الواقع النفسي المصاحب لحدوث ظاهرة الوحي أو الواقع النفسي المصاحب له حسب عبارته والذي لا يمكن أن يفسره أي تعليل مرضي.

وأكثر من ذلك يضيف مالك بن نبي فإن الأعراض الجسمية هذه ليست خاصة مثلا بحالة التشنج التي تحدث شللا ارتعاشيا عند الفرد المحروم مؤقتا من قواه العقلية والجسمية. نتوقف هنا في نهاية ص 153 لنستأنف الحديث في السهرة القادمة من الصفحة الموالية 154. ونفتح باب النقاش والحوار والإثراء للنص المحتوي على براهين منطقية ذات أهمية كبرى في تصدي مالك بن نبي لمحاولات التشكيك في الرسالة والرسول.

يتابع مالك بن نبي وصف الوضع الجسمي للنبي عليه الصلاة والسلام عند تلقيه الوحي ومعاناته الكبيرة ملاحظا أن الوجه وجهه هو الذي يحتقن وتظهر عليه علامات كان قد حدثنا المؤلف عنها وإدراك الصحابة لها ومعرفتهم لها بحكم التجربة والتكرار, أما باقي أحوال الرسول فتبقى عادية ومعنى هذا ما دام لم يخصص فالمقصود هو الأحوال النفسية والجسمية معا, بل يضيف احتفاظ النبي بحرية عقلية ملحوظة مما يشير إلى أن الناحية النفسية تبقى دون أي اضطراب أو نقص كفاءة, وفي هذا السياق يستخدم الرسول من بين قواه النفسية ذاكرته استعمالا كاملا دون أي اختلال أو نقص, بل يستخدمها استخداما كاملا خلال الأزمة أي خلال معاناة نزول الوعي عليه (ص) .. في الوقت الذي ينمحى فيه وعي الشخص المريض المتشنج وذاكرته خلال الأزمة وهذا دليل علمي ومنطقي ملموس وتجريبي يرد به مالك بن نبي على أولئك الذين يسميهم عادة الدارسين النقاد قاصداخصومه من المفكرين الغربيين المغرضين ومنهم المستشرقون والمبشرون وتلاميذهم العرب والمسلمون خاصة منهم أولئك الذين درسوا في الجامعات الغربية أو حتى في المؤسسات التابعة لها في بلدانهم أو على تلاميذهم هؤلاء أنفسهم إنهم يحرثون في البحر وكلامهم المنتقد الحاقد المسيء لا دليل عليه من العلم والمنطق وهو ضدهم لا بهذه الصفة العدوانية الحاقدة فقط ولكن لأنه ينطبق أيضا على من يؤمنون بهم من أنبيائهم ومرسليهم وهو ما غفلوا عنه أو ظنوا أنه بالإمكان تمريره دون انتباه أحد .. ويضيف مالك بن نبي أن الأعراض الجسمية التي تظهر على النبي أثناء تلقي الوحي لا تستمر بل هي خاصة فقط بتلك اللحظات القصيرة التي يتلقي فيها الوحي أو ما سماها تلك اللحظات التي يتلقى فيها الظاهرة القرآنية وحدها دون أي وقت آخر وهي كما أشار لحظات خاطفة للوحي.

ويستخلص المفكر من ذلك ما عبر عنه بقوله: (هذا التلازم بين ظاهرة نفسية في أساسها, وحالة عضوية معينة, هو الطابع الخارجي المميز للوحي.

ودون ريب فمن الحتمي أن يكون للرسول في هذا الوقت موضوع للتفكير, أو كما قال في مجموع أحواله الشخصية هذه, على الأقل في بداية الدعوة من أجل عقله الموضوعي كما قال, إذ لا بد أنه أدرك هذه السلسلة من الأحداث المشكلة للمقياس الظاهري لحالته مهما كانت غير كافية لتأسيس اقتناع أو إصدار حكم نهائي.

وللوصول إلى هذا الاقتناع النهائي, يقول المؤلف سيمدنا القرآن بمقيياس مكمل للمقياس الأول, وبأساس للاقتناع والحكم النهائي لدى رسول الله (ص). ولأن المؤلف سينتقل إلى موضوع جديد في سياق التعريف بظاهرة كيفية تلقي الوحي هي "مقياسه العقلي" .. نتوقف هنا لتكون بداية الحديث القادم هي هذا العنوان "مقياسه العقفي" في نهاية ص 154.   

في آخر ص 154 يتناول مالك بن نبي مسألة المقياس العقلي للوحي تحت عنوان "مقياسه العقلي"
بادئا بتقرير أمية محمد ومحدودية معرفته بسبب ذلك
يقول المؤلف: (وفي هذا الوسط الفروسي البدوي الوثني لا مجال مطلقا للمشاكل الاجتماعة والغيبية "الميتافيزيقية" ) . حيث معارف العرب عن الحياة الاجتماعية والفكرية لدى الشعوب الأخرى لا قيمة لها والمصدر القيم لهذا الموضوع هو الشعر الجاهلي,  وهنا نتوقف قليلا عند قضية الشعر الجاهلي وما أثاره من جدل كان السبب فيه نكران الدارسين الغربيين وتلاميذهم العر والمسلمون ومنهم أو على رأسهم طه حسين الذي وضع كتابا شهيرا في هذا الموضوع ناكرا له مما يجعل معجزة البيان في القرآن تتبخر إن ثبت أن الشعر الجاهلي منتحلا موضوعا ومزيفا وليس جاهليا. (نهاية ص 154) ..  

وفي الصفحة الموالية 155. ويعود مالك بن نبي إلى غار حراء من أجل تأكيد أمية محمد وبساطة معرفته التي هي معرفة الوسط البدوي وهذا كل ما ذهب به إلى غار حراء أي أنه لا شيء لديه من المعرفة يسمح له باختراع القرآن كما يدعون وما أدراك ما القرآن مما يشير إلى التأثير الصاعق لكلمة "اقرأ" على نفس محمد الأمي مما أحدث انقلابا في كيانه بزلزلة هذه الكلمة لحالة الأمية في نفسه فيجيب خائفا "ما أنا بقارئ" لكن صدمة كبيرة أصابت فكره الموضوعي فإذا كانت شكوكه قد زالت وبدأت علامات الاقتناع بالوحي والرسالة تسكن نفسه فإنه بعد هذه الصدمات العقلية المذهلة فإنها لا تبدد شكوكه تماما في دفعة واحدة, فعندما يتلقى الأمر ثانية "أن ينذر" يقول ابن نبي "يتساءل قلقا: من يؤمن بي؟" وهو سؤال فيه حيرة الاقتناع وهو ما لم يكن متوقعا, يضاف إلى هذا انقطاع الوحي لمدة عنه مما يزيد في معاناته وبحثه عنه ليتأكد مما هو فيه. وبسبب ذلك تشتد حيرة محمد فيعود إلى أقسى تلك اللحظات التي مرت عليه في غار حراء وهو يتلقى الوحي لأول مرة مما يجعل شكه يزداد بعد أن كان قليلا سهل المعاناة الأمر الذي جعله يشكو معاناته الكبير لزوجه الصالحة الحانية. "نتوقف هنا في نهاية ص 155 لنفسح المجدال للنقاش والحوار وتلاقح الأفكار وخصوبة التفاعل.

يشتكي الرسول عليه الصلاة والسلام شكه وحيرته وظروفه النفسية الشديدة القسوة لزوجته الصالحة خديجة التي تهدئ من روعه وتشجعه وتطمئنه على صلاح أمره دون أن تعيد إليه الثفة الكاملة والوضوح التام في أن ما يعانيه هو حقا الوحي والرسالة والنبوة أم هي حالات نفسية مرضية تمر به دون أن يكون من ورائها أمر جلل كما هو الوحي والرسالة السماوية ..

والحقيقة أن مالك بن نبي يتوقف مطولا عند ظاهرة بداية الوحي ثم انقطاعه هادفا بذلك إلى الرد على من ادعوا أن تلك الأحوال كانت نفسية مرضية عابرة هي من طبيعة البشر ولا تدل على نبوة ولا هي بمهبط رسالة فيدرس مالك بن نبي الأمر علميا ومنطقيا لينتهي إلى أن تلك المعاناة ليست مرضية ويأتي بأدلة من علم النفس الذي استخدموه على أن الحالة ليست بشرية وليست مرضية وإنما هي وحي منزل لا شيء منه لدى بقية الناس غير الأنبياء والمرسلين ..

يقول مالك بن نبي أن خديجة رغم جهودها وحنوها وعطفها على زوجها لم تستطع إزالة ما كان به من شك مدمر وحيرة كبيرة ولم يخرج نهائيا من تلك الحالة العويصة إلا بعد سنتين حيث عاد الوحي إلى النزول عليه مجددا عندها اطمأن وتأكد وزالت عنه كل الوساوس والشكوك وعرف معرفة تامة أن ما يأتيه هو الوحي

لقد انتهى الرسول (ص) إلى القناعة التامة النفسية والعقلية وانتهت أزمة الشك لديه بعودة الوحي مرة أخرى

هذه القناعة التامة بصحة الوحي والوثوق من مصدره الرباني أزالت الشك في الأمر من نفس محمد نهائيا وأكسبته ثقة بنفسه كاملة وراح بعد ذلك يمارس وظيفته النبوية الدعوية بكل قوة وثبات وتمحض للتبليغ والدعوة والعمل بكل ما لديه من استعدادات شخصية متميزة كشخص بالغ الكمال البشري قبل الوحي وزاد على ذلك طاقة الوحي والشعور بالمهمة الجسيمة الملقاة على عاتقه وما فيها من امتياز فريد وتشريف لا مثيل له .. نهاية ص 156

الشك في الرسالة من النبي نفسه نتيجة انقطاع الوحي لمدة عامين كاملين بعد نزوله المرة الأ ولى ثم التشكيك من المفكرين الغربيين أو بعضهم وأتباعهم من نلاميذهم العرب والمسلمين المستلبين المتغربين وفي هذا السياق جاء كتاب "في الشعر الجاهلي" لطه حسين أحد هؤلاء التلاميذ المستلبين حيث هدف في هذا الكتاب إلى نسف الشعر الجاهلي عن آخره إرضاء لأساتذته الغربيين وتأثرا بهم وهو يعلم أو لا يعلم أنهم يهدفون من ذلك إلى التشكيك في القرآن ذاته ..

هذا الموضوع الذي بحثه مالك بن نبي ليرد الرد المفحم الحاسم على المبشرين والمستشرقين ومن معهم من دارسين غربيين أو طلابهم العرب والمسلمون قد اتخذ مظهرا آخر في أيامنا في صورة منشورات متنوعة سواء ورقية أو إلكترونية والتي نعرفه الآن باسم "المسيئة" إنه نفس السياق وإن اختلفت أدواته ووسائله

في سياق المقياس العقلي للوحي:
بعد أن رأينا الانتقال من الشك إلى اليقين في الظاهرة القرآنية وفي الوحي ذاته لدى الرسول (ص) نفسه ثم تدرجنا في بداية القناعة لديه وما سماه مالك بن نبي (المقياس العقلي) نواصل في هذا السبيل مع المؤلف في ص (157) مسار هذه القناعة واليقين وهي تتطور شيئا فشيئا بتواصل نزول الوحي على النبي الكريم وفي ذلك المسار ومقاييسه العقلية يذكر المؤلف إضافات وتطورات مع نزول الآيات الكريمة والتي منها قوله عز وجل: https://docs.google.com/viewer?pid=explorer&srcid=0B17bfkPordp2ekp6QzU3aFFxOUE&docid=3898db80657eb404df7e8044013ce9aa%7Cd4d088b99d936934b0e5f861dad84fea&a=bi&pagenumber=157&w=800 .. الفقرة الأولى من هذه الصفحة (157) [والنجم إذا هوى] الخ .. بعد تأديد الآية لصدقه عليه الصلاة والسلام وتأكيدها على أن ما يأتيه هو الوحي زادت قناعة محمد ورجحت ثقته في نفسه وقوي إيمانه بكون الوحي وحيا وزاد تصديقه العقلي لهذا الذي أكدته الآية الكريمة وهكذا يقول مالك بن نبيي إن الحقيقة العلوية فرضت نفسها فرضا على العقل الوضعي لدى الرسول الكريم ويوضح المؤلف هنا بطريقة منهجية سادت في عصره بما يسمى الشك المنهجي فيقول إن النبي الكريم كان يعاني هذا النوع من الشك وليس الشك ا لمرضي أو كما قال "المقصود لذاته" مما قاده إلى اليقين العقلي كذلك في أن الوحي آت من لدن الحكيم الخبير ولم يعد هناك أي شك يراود عقله ونفسه بل تحول كل كيانه إلى إيمان لا يتزعزع يشهد على ذلك عقله ونفسه وحواسه ومشاعره وكل ما فيه من قوى الإدراك والمعرفة على أن ما يأتيه من وحي لا شبهة فيه ولا ريب وبأنه الحقيقة القرآنية. هذا الإدراك سيتسع ويتعمق أكثر كلما تتابع نزول الآيات الكريمة عليه حيث تزيد الاقتناع والتصديق بالوحي ومصدره العلوي قوة على قوة يقول مالك بن نبي: "وإن هذا الاقتناع العقلي ليزداد رسوخا كلما ازدادت الهوة عمقا بين ظنون (الإنسان ) وما يجري على لسان (النبي)." أي الوحي المنزل عليه. وهكذا فبتتابع نزول الذكر الحكيم على محمد اتسعت مداركه ومعارفه كما لم يحصل من قبل لديه ولا في عصره ولا في اهتماماته لقد أصبحت لديه معرفة تاريخية وكونية واجتماعية غير مسبوقة حقائق واضحة مؤكدة موثوقة ومفصلة عن تاريخ الوحدانية.
فقصص القرآن المفصلة مثلا عن يوسف عليه السلام وتفصيل تاريخ هجرة بني إسرائيل ليست مجردمعارف جاءت بصفة عارضةبل هي في مفهوم النبي الكريم حقائق من قبيل الوحي العلوي.

وهنا يتساءل مالك بن نبي عن كيفية حصول هذا الاتفاق العجيب -كما قال- بين الوحي المنزل وما ورد من قائق تاريخية في التوراة؟ (نهاية ص 157).

نتوقف هنا لنبدأ لقاءنا القادم من مطلع ص158 التي تواصل نفس الموضوع أي مقياس العقل عن الوحي واقتناع الرسول الكريم بأنه يتلقى وحيا علويا وتمكن الظاهرة القرآنية من كيانه كله نفسا وروحا وجسدا إلى أن صار واثقا تمام الوثوق ومصدقا تمام التصديق وحاسا تمام الإحساس وشاعرا تمام الشعور بأن ما يأتيه هو وحي لا ريب فيه قادم من مصدر علوي ومثل هذه الأحوال النفسية والشعورية والعقلية والحسية من الإدراك والمعرفة والقناعة والوثوق لا سبيل لأي بشر غيره إليها عدا ما شابهه نمن الأنبياء والرسل سلام الله عليهم. وهذه من أهم البراهين التي استعملها مالك بن نبي ضد الخصوم المشككين في الرسالة والرسول داحضا بصفة علمية من نفس العلوم التي استخدموها أن الظاهرة القرآنية الموحى بها تختلف تماما عما يعانيه بقية البشرغير الأنبياء والرسل من حالات نفسية يشترك فيه كلهم دون استثناء أما هنا فالاستثناء سيد الموقف ومنأين لمحمد مثلا أن يعرف بالتفصيل تاريخ الهجرة الإسرائيلية أو قصة يوسف عليه  السلام فضلا عن الحالة الجسمية والنفسية التي كانت تعتريه عند نزول الوحي عليه والتي لا شبه لها ولا علاقة بأحوال نفسية بشرية أخرى مثل التشنج كما ادعوا زورا وبهتانا وتلفيقا.. إن هذه الحقائق والأفكار من أهم ما بنى عليه مالك بن نبي صرحه الحضاري الشامخ الذي وضع له أساسا متينا هو الظاهرة القرآنية التي هي نفسها صالحة لمواجهة المواقف الطارئة في أيامنا مثل الإساءة للنبي الكريم وما شابهها من العدوان الحاقد على الرسالة والرسول فالظاهرة القرآنية والحجج العلمية المنطقية التي ساقها فيها مالك بن نبي واتصالها الوثق بما كان من حملات على أيدي المستشرقين والمبشرين ومن معهم هي كذلك اليوم من أقوى ما يمكن من حجج لإسكات الخصم الذي أصبح يسيء بطرق شتى للرسالة والرسول في سياق متصل بما كان أسلافهم يمارسونه أ يام مالك بن نبي وقبله. 

في صفحة 158 يواصل المؤلف الحديث عن المقياس العقلي للوحي
ويقصد بذلك كما رأينا الوضع العقلي للوحي لدى الرسول الكريم ووقفنا على أن شخصه الطاهر كله عقلا ونفسا وجسما وروحا صار متشبعا بالظاهرة القرآنية وواثقا راسخ لوثوق بأن ما يأتيه هو وحي علوي لا ريب في ذلك ومن هنا كان التزامه القوي وأخلاصه واستعداده لكل تضحية محتملة في سبيل تبليغ الرسالة الربانية التي اصطفته من بين سائر البشر ليكون له شرف القيام بنشرها وإقناع البشر بها والدفاع بكل ما يملك عنها .. ومما جعله يزداد قناعة على قناعة هو هذا القصص التاريخي الذي روته كتب سماوية سابقة وتطابقه مع ما نزل عليه والذي لم يكن مطلعا عليه تماما مما يدل على أن ما يأتيه وحي لا جدال في ذلك’ لقد لاحظ بذلك عقليا بأن للوحي الذي يأتيه له مصدر فما هو؟ هذا السؤال أصبح يحتل مكانة ضرورية في العقل النبوي كما يثبت ذلك مالك بن نبيوفي قناعته واقتناعه بمصدر الوحي وبعبارة مالك بن نبي إدراكه الثابت واقتناعه الشخصي.

وقد كانت إجابته(ص) على هذا السؤال في المقابلةالداخلية النفسية الباطنية بين فكرته الشخصية والحقيقة المنزلة عليه وهي مقابلة تنتهي إلى حسم موضوع مصدر الوحي المنزل, أو هذه الأخبار التي لم تكن لديه ولا لدى مجتمعه من قبل, لذلك كان معرفة مصدر هذه الأخبار واضحا تمام الوضوع في عقل النبي الكريم ونفسه وكيانه الشخصي كله ووسائل إدراكه جميعها فلا وجود لأي لبس لديه في أن الظاهرة القرآنية يستحيل أن تكون من مصدر بشري أي كان.

يضيف مالك الحديث عن صدق محمد المعروف مع قومه ومع نفسه إنه المسمى الأمين بسبب سلوكه القويم  وقد كانت دراسته الواعية لحالته الغريبة لا ريب نوعا من الدراسة الباطنية القرآنية المنتهية إلى إنهاء أي شك في نفسه حيث واجه هذه الظاهرة يقول مالك بمنهجين ذاتي وموضوعي, الذاتي يقضي بأن الوحي يوجد خارج الإطار الشخصي, والموضوعي قوم على الموازنة الواقعية بين الوحي وما جاء في التاريخ بكل تفاصيله كما ورد في كتباليهود والنصارىعلى سبيل المثال.

يقول مالك بن نبي كأنما الوحي يعلم الرسول الكريم - أحيانا - المنهج الموضوعي في حالة كون الأمر غير اقتناعه هو فذاك حاصل لديه منذ زمن طويل, قول المؤلف إنما هي تأسيس وتربية للذات المحمدية خاصة عندما يجادل المشركين, أو وفود النصارى القادمة من أنحاء جزيرة العرب  كما حدث عندما أثاه وفد من نجران لمناقشة عقيدة التثليت النصرانية. نوقف هنا مع نهاية ص 158 لننطلق في المرة القادمة من بداية ص 159.

هذا هو الكتاب بين أيديكم وهذه هي ص 158 منه لتجدوا قراءة فيها وبالإمكان تعميق التحليل النقدي فيه خلال هذه الجلسات إن وجد من يرغب في معرفة معالجة مالك بن نبي لموضوع إثبات الرسالة والرسول بأدلة قاطعة من العلم والمنطق وبالتالي إسكات الخصم نهائيا .. وفي وقتنا هذا يمكن استعمل نفس الحجج القاطعة في مواجهة ما استجد من الخصم من الإساءة عوض النفي الذي عاصره مالك بن نبي ومن قبله نفي وجود الرسالة والرسول ..

يشرع المؤلف في صفحة 159 تحت هذا العنوان: وفي هذا يحدثة الوحي صراحة
(فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك, فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك, لقد جاءك الحق من ربك, فلا تكونن من الممترين). [يونس 94/10]

يلاحظ مالك بن نبيي في نهاية هذا الطرح لقضية الاقتتاع الشخصي للرسول الكريم بالوحي ومصدره وصدقه وأيضا سبل إقناعه للآخرين أو تبليغ الرسالة وما يتاجه الأمر إلى منهج ذاتي باطني ومنهج موضوعي خارجي مقارن, ويقف على عدم اهتمام الدراسات الغربية كما يسميها وهي خاصة فيما نفهم دراسات المستشرقين والمبشرين وبعض المفكرين المتعصبين وتلاميذهم العرب المسلمين الضالين المضللين تجاهل هؤلاء جميعا وعدم اهتمامهم بالاقتناع الشخصي للنبي الكريم على ما في ذلك من ضرورة وأهمية قصوى لفهم الظاهرة القرآنية مما يبين أنهم لم يكو نوا يبحثون عن فهم الظاهرة القرآنية بل كانوا يهدفون إلى نفيها بعد التشكيك فيها وإضعافها عن طريق نشر تحليلات مشبوهة مضللة وقد أبطل كل ذلك العدوان مالك بن نبي بطرق علمية ومنطقية صحيحة وثابتة فكان أن أنهى بذلك تاريخ طويل من المحاولات الفاشلة لتكذيب الرسالة والرسول وفي وقتنا الحالي حيث تطورت أطروحة الخصم من التشكيك والتكذيب إلى الإساءة ما زال خير رد عليها وأقواه وأحسمه يوجد فيما تصدى به مالك بن نبي لحلملة التشكيك والتكذيكب والنفي الآثمة للرسالة والرسول ولهذا يبقى كتاب الظاهرة القرآنية هو عبارة عن تفاصيل من هذا الفكر الذي أوقف التشكيك والنفي والتكذيب عند حدها في زمن مالك بن  نبيي ولا زال اليوم هو خير رد يمكن أن يفحم الاعتداءات بالإساءة إلى الرسالة والرسول.

يعقب المؤلف على هذا: حدثنا الفسر جلال الدين السيوطي فيقول: إن النبي عقب على هذا قائلا: "لا أشك ولا أسأل"(3)
ويضيف ابن نبي أن النبي الكريم كان بإمكانه أن يكتفي باقتناعه الشخصي الداخلي بمصدر الوحي وكونه حقا لا ريب فيه, غير أن الأمر يتجاوز اقتناعه الشخصي إلى إقناع الآخرين أيضا ما دام قائما بواجب التبليغ وشرفه, ولذلك يحتاج إلى استخدام المنهج الموضوعي أو الثاني كما سماه مالك نظرا لوجود المنهج الباطني الذاتي الخاص باقتناع الرسول الكريم بمصدر الوحي وصدقه, عندما كان يتصدى لمناظرات مع آخرين ومنهم أهل الكتب السماوية السابقة ليقنعهم قياسا ومقارنة مع كتبهم بصدق رسالته وبعثته ونبوته ومصدرها الرباني الذي لا جدال فيه. يقول المؤلف وتلك هي المناسبة على ما نظن التي نزلت فيها سورة يوسف و يستشهد بتفسير الزمخشري الذي يذكر أن السورة نزلت نتيجة تحد كان من اليهود عن قصة يوسف فنزلت السورة ليكون لدى النبي من الزاد أكثر مما يكفي بمعرفته لقصة يوسف عليه السلام, إنه تحد من أحبار اليهود وغيرهم كان حسمه بنزول سورة يوسف ومقارنتها بنصوص التوراة لديه مما أفحمهم وجعلهم يعترفون ولو داخليا بأن هذا وحي لا مراء فيه حيث إنه ربما يتفوق في ذكر تفاصيل قصة يوسف عما ورد في التوراة يقول مالكعند المقابلة الدقيقة بين نصوص التوراة وقصص القرآن.
وفي نظر مالك فإن النبي لم يكن مهتما في نفسه بهذه المقارنة الموضوعية التي توازن بين الوحي والتاريخ الثابت في كتب بني إسرائيل. نهاية ص 159

في مطلع ص 160 يذكر مالك بن نبي أنها ليست المرة الوحيدة التي لجأ فيها الرسول الكريم إلى المقارنة الفعلية التي تقددم له كل مرة  عنصرا جديدا لاقتناعه العقلي بهذا المنهج المقارن الذي يسميه مالك المنهج الوضعي والذي يهدف كما قال إلى تكوين النبي الكريم من الناحية العقلية أو القناعة العقلية لديه بالوحي ليواجه الخصم في المناظرات وغيرها من المناسبات التي تعرض له كتحديات كبرى في مسيرته التبليغية للرسالة السماوية التي حباه بها الله سبحانه.

هذه القناعة العقلية للرسول تكونت كما يصفها ابن نبي وفق منهج عادي, حيث ضم الملاحظات المباشرة للنبي عن حالته, ومقياسا عقليا يستمد منه قناعته بالوحي, وهو يعمل عقله في تفاصيل ملاحظاته بكل دقكة.

ثم ذهب مالك بن نبي إلى أن علم الدراسات الإسلامية ويقصد به الدراسات الغربية للإسلام يستعمل فكرا مغرضا, لذلك لم يعالج مشكلة الاقتناع الشخصي للرسول على الرغم من كونها أنها ذات أهمية هي الأولى في فهم الظاهرة القرآنية, إذ هي: مفتاح المشكلة القرآنية"حيننضعها على البساط النفسي للذات المحمدية.  


ولسنا في حاجة إلى دليل يقول مالك بن نبي أنه لكي يؤمن (محمد) ويستمر على الإيمان بدعوته يجب أن نقرر كما يقول حسب تعبير (أنجلز) أن كل وحي لا بد أن يكون قد  (مر بوعيه)(4) .. ولهذا الاستشهاد قيمة عظيمة حيث إن إنجلز هو رفيق ماركس الشيوعي وشريكه في التنظير للمذهب المادي الملحد الشيوعي لكن تفتح مالك بن نبي الفكري - وهو ما يليق بالمسلم - لا يجعله يتردد مجرد التردد في ا لاستشهاد بقول لهذا المفكر ما دام من الناحية الفكرية سليما ومفيدا. واتخذ حسب وجهة نظر أنجلز دائما صورة مطلقة, غير شخصية, ربانية في جوهرها الروحي, وف الطريقة التي تظهر بها.

وينهي مالك بن نبي هذا الموضوع بقوله: "ومحمد (ص) قد حفظ - بلا  أدنى شك - اعتقاده حتى تلك اللحظة العلوية, حتى تلك الكلمة الأخيرة:
نعم (في الرفيق الأعلى).
نهاية ص 160 حيث ينتقل مالك بن نبي في مطلع ص 161 إلى موضوع في نفس سياق الوحي عنوانه: مقام الذات المحمدية في ظاهرة الوحي .. وفيه نلتقي في الجلسة القادمة إن شاء الله.

في ص 161 يواصل مالك بن نبي بحثه لظاهرة الوحي تحت عنوان

مقام الذات المحمدية في ظاهرة الوحي

ويعود في هذا إلى البداية فيما هو مشهور من حوار أول بين جبريل ومحمد:
- اقرأ
- ما أنا بقارئ!؟
ثم يذهب مالك إلى أن هذا الحوار الفريد الذي كان بداية للعهد القرآني هو عنصر ثمين في التحليل النفسي لظاهرة الوحي
إنه الحوار الوحيد تاريخيا الذي تجيب فيه الذات المحمدية بمقاطح صوتية واضحة على الصوت الذي سيبلغها الدعوة

يتساء مالك: هل هذا اختلاط و(هلوسة)؟
وهذا السؤال وجهه الرسول الكريم لنفسه في ذلك الوقت عندما انقطع عليه الوحي منذ هذه الحالة ومنهم من يقدر زمن
الانقطاع هذا بعامين كاملين مما جعل حالة النبي النفسية تتدهور للغاية حيث عصف به  الشك كل عصف وجعله يفكر
في أن الأمر قد يكون مجرد (هلوسة) ونفس الفكرة أراد الدارسون الغربيون من سمتشرقين وغيرهم وحتى أتباعهم
وخاصة منهم بعض طلبة العرب والمسلمين الذين درسوا في الجامعات الغربية في سياق رفضهم وإنكاره وتكذيبهم
للرسالة والرسول وهو نفس  السياق الذي تقع فيه ظاهرة الإساءة اليوم .. كانوا يعتمدون على التحليل  النفسي على
أساس أن الأمر مجرد (هلوسة) وهي حالة نفسية عادية أو مرضية تعتري كل الناس وإذن فالأمر ليس بالوحي ولا
وجود للرسالة ولا الرسول ولهذا يأتي مالك بن نبي بهذه الظاهرة أو الحادثة التي كانت في أول الوحي ليعالجها بنفس
المنهج ونفس العلم ليثبت أن أولئك كانوا مخطئين عن قصد أو غير قصد لأن علم النفس لا يمكنه دراسة هذه الحالة
لعدم انتشارها بين البشر كما يدعون .. بل هي حالة خاصة بالأنبياء والرسل كما سبق لمالك أن قدم البرهان القاطع
على ذلك في موقع سابق من هذا الكتاب.

يقرر مالك بن نبي حالة هذه الظاهرة (نزول الوحي لأول مرة) بأنها ظاهرة مرئية ومسموعة في إشارة لحضور
الملك جبريل وكلامه أو أمره للرسول (ص) بالقراءة وجواب النبي بأنه "ليس بقارئ" أي أنه أمي وما يصاحب
ذلك من حالة نفسية صعبة يصفها مالك بأنها إذا اعتبرناها من الاختلاط العقلي الذي يقع فيه أي شخص فهو عادة يقع
في هوامش النوم ويذكر مصطلحين هما عما أسماه الاختلاط العقلي الذي يقع للذات ما بين اليقظة والنوم Hallacination
Hypnagogique ما يمكن ترجمته بالهلوسة التنويمية, ولا أعلم لما ذا لم يقم المترجم بذلك وأورد المصطلحين كما هما
بالحروف اللاتينية. أما الاختلاط الثاني فيقول المِلف أنه يقع في حالة الانتقال أو ما بين النوم واليقظة في نهاية النوم أو قبل
نهايته بانتهاء تلك الحالة Hallacination Hypnopomique ربما أن المترجم ترك المصطلح كما هو بالحروف اللاتينة
لأن المؤلف قد شرح المعنى بنفسه. وهنا يعود مالك بن نبي إلى العلم الذي استعمله الخصم فيقول إن علم النفس العلاجي يقرر
أن هذين الحالتين من الهلوسة لا تقع للأسوياء من الأشخاص وهو بالنسبة إلى النبي غير وارد لوجود سبب حسي هو الأصوات
المسموعة. وهذه هي الحالة في ظاهرة الوحي.يقول مالك إن السبب الحسي تكرر ثلاث مرات في الحوار المذكور.
هكذا نصل إلى نهاية ص 161 لنستفيد شيئا وهو أن مالك بن نبي يطرق تقريبا دائما نفس الموضوع وهو الرد على الخصم لكن
زخم هذا الرد في أنه يستعمل كل مرة وسيلة جديدة أساسها المتين من العلم والمنطق والحجج الدامغة بأن الادعاءات التي ادعوها
باطلة لا أساس لها من المنطق والعلم وبذلك يكشف أهدافهم الكيدية الحاقدة الخالية من أي حجج وبراهين موضوعىة فضلا عن
ادعائها الاستناد إلى العلم وهي بعيدة كل البعد عنه.

في صفحة 162 من كتاب الظاهرة القرآنية يواصل مالك بن نبي حديثه عن ظاهرة الوحي أو ما جعله تحت عنوان:

مقام الذات المحمدية في ظاهرة الوحي

والهدف يبقى دائما هو نفس الهدف من الكتاب كله (الرد على التشكيك في الرسالة والرسول) .. الرد الحاسم الذي لم نسف الأساس الذي أراد الخص الغربي ومن معه البناء عليه بغية ترسيخ الشك والوصول إلى الإنكار المؤسس معتمدين خاصة على علم النفس والتحليل النفسي منه خاصة وعلى نفس العلم اعتمد المؤلف ليثبت علميا ومنطقيا بوضوح تام أن استعمالهم لعلم النفس غير صحيح وقد أقام حججهم على أخطاء متعمدة في إسناد موضوع الوحي إلى الدراسة النفسية وهو المستحيل ذاته لأن الظاهرة غير عادية ولا تكون إلا لدى الأنبياء والمرسلين بالإضافة إلى ما لدى كل منهم من خصوصيات لا يدركها أي بشر غير نبي ولا مرسل فكيف يمكن والحال هذه لعلماء النفس أن يدرسوا ظاهرة لا تقع تحت ملاحظته ولا تدركها حواسهم وبالتالي لا تصل عقولهم؟ وهكذا يستمر مالك بن نبي في تحليل ظاهرة "الهلوسة" لأنهم اعتمدوا عليها معتبرين الوحي منها وبالتالي يمكن دراستها كما يتم ذلك بالفعل في الدراسات النفسية التحليلية للعاديين أو المرضى من الناس وفي هذا الساق يورد مالك بن نبي كما قال عدة ملاحظات لإثبات تهافت ما ذهب إليه هؤلاء الدارسون الغربيون وأتباعهم الضالون المضللون المستلبون ..

فلو فرضنا يقول المرلف أن الحالة الأولى من الحوار بين الرسول والملك هو حالة من الاختلاط ا لعقلي أو مجرد "هلوسة" نتيجة الصدمة التي حدثت بفعل اللقاء غير العادي فإنها لن تستمر بعد الحالتين التاليتين مهما كان تفسيرهما بقي كما قال "معلقا" لكن يستحيل تفسير الظاهر بالاختلاط العقلي أو "الهلوسة" بسبب تكرار وقوعها وتجاوزها هذا الاعتبار الذي كان الرسول نفسه يشعر به أثناء أزمة الانقطاع الطويل للوحي بعد المرة الأولى لكن بعد نزوله مرتين أخريين لم يبق مجال للشك في الموضوع ولم يبق هناك من معنى للحديث عن حالة نفسية مرضية مثل "الهلوسة" كما يريد مفكرو الغرب العنصريون الكائدون وأتباعهم الضالون المستلبون أن يدعوا دون منطق ولا معقولية ولا برهان من علم كما يزعمون.

يقول مالك بن نبي لو تناولنا الأمر أي الوحي من ظاهره لوجدناه يحدد الوضع النسبي للذات المحمدية "في الخطاب القرآني" .. لتكون منذ البداية هذه الذات في مقام المخاطب المفرد أي أن القرأن يخاطب دائما النبي الكريم كذات مفردة حيث ينزل الوحي على ذات "مخاطبة" تؤديه واسطة (جبريل) عن الذات المتكلمة(الله) .. وهنا يتساءل مالك بن نبي باهتمام كبير عن إمكانية وحدة الذات المتكلمة والذات المخاطبة في ذات واحدة هي الذات المحمدية؟ بمعنى هل يمكن وقوع الوحدة في ذات واحدة بين الله ومحمد في ذات هذا الأخير حسب عبارة الحلاج الشهيرة التي قتلته (ما في الجبة إلا الله) .. ولحسم هذا الأمر يلاحظ مالك التباعد الكبير في الحوار (الوحي)يبين الذات المتكلمة  الحازمة الآمرة والذات المخاطبةالمضطربة المرعوبة ومصدر هذا الرعب هو أن نبي يعرف أنه أمي لا يعرف القراءة والكتابة هذه فكرته عن نفسه وشعوره بها وهو أمر طبيعي مما جعله يجيب إجابة سلبية خاشعة وقاطعة في ذات الوقت إنهاالنهاية الطبيعية لعملية نفسية تصدر عنها هذه الفكرة "التي يدرك موضوعيتها تماما: فكرةأميته ." يقول المؤلف.

وفي الفقرة الأخيرة من الصفحة يتساءل مالك بن نبي عما إذا كان الأر الصارم بالقراءة الذي أرعب هذا الأمي قد أدى إلى إنكار هذه الفكرة الموضوعية فكرة الأمية؟ وكأنما الأمية انتفت بهذا اللقاء الخارق للعادة بين الذات الآمرة المتكلمة والذات المستقبلة الخاشعة المرعوبة؟ هذا التباعد بين الذاتين مهما كان الأمر يعتبره مالك عملية نفسية يقول مختلفة تماما عن الأولى, ولكنها متزامنة معها أي هما في وحدة زمنية, لتقاطعهما في ذات اللحظة معا, وذلك في الوضع الذي تأمر فيها إحداهما فيصيب الرعب الأخرى "وقد انقلب حالها" يقول بن نبي لكن كيف انقلب هل صارت غير أمية كما يفهم من الساق؟

إذا كان هدف مالك بن نبي دائما مزدوجا وهو إثبات الرسالة والرسول وفي ذات الوقت إسقاط حجة الخصم ونفي مزاعمه الكيدية العدوانية نفيا قاطعا لا تقو له بعدها قائمة, لكنه في كل مرة يستعمل حجة جديدة لم يسبق له أن تناولها من قبل فهو هنا يكرر نفس العملية لكن الموضوع يختلف ليهزم الخصم ويثبت الحق والصدق بنفس المنهج دائما مطبقا على موضوع جديد سواء كان الخصم قد أثاره بشكل مباشر أو غير مباشر ومن هنا استعمل هذه المرة ما أطلق عليه الوضع النسبي للذات المحمدية في الخطاب القرآني حيث نجدها منذ البداة"اقرأ" في مقام المخاطب الفرد, ربما يقصد بن نبي بذلك إلى خصوصية الذات المحمدية وعدم معاناة بقية الذوات البشرية لما تانيه من ظاهرة الوحي الشاقة المحببة لذلك يخاطبها القرآن كفرد أي أن الخطاب ليس موجها إلى عموم الناس وبذلك تكون الظاهرة خاصة وبالتالي يستحيل على غيره أن يدركها أو يحس بها أو يشعر بها فما بالك بدراستها كموضوع لعلم النفس؟ ثم يتساء عن الاتحاد أو ما يعرف بوحدة الوجود بين الذات العلوية الإلهية والذات المحمدية البشرية ويرفض ذلك  للاختلاف الجوهري بين الذات الآمرة المتكلمة والذات الخاشعة المرعوبة الأمية لكنهذه الأمية ربما تكون قد ارتفعت بسبب هذا اللقاء والتقاطع بين الذاتين المختلفتين جوهرا لكن المتحدتين زمنيا لوجودهما معا في ذات اللحظة وكل هذها الاعتبارات تصب في نهاية المطاف إلى أنه لا جدال في أن ما يحدث هو حوار واتصال وإرسال لرسالة ورسول لا ريب فيهما ولا يستطيع الخصم أن يقول العكس مهما حاول التزييف والاختفاء وراء علم النفس زورا وبهتانا أو غيره لأن ظاهرة الوحي لا وجود لها لدى غير الأنبياء والمرسلين ولا يمكن لأي علم أو عالم أن يدرسها بعلم موضوع لدراسة ظاهر ب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://benabbimalek.forumalgerie.net
 
القراءة التحليلية في كتاب "الظاهرة القرآنية " لمالك بن نبي ** عبد المالك حمروش ** الحلقة (23)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى مالك بن نبي فيلسوف الحضارة المعاصر :: الفئة الثانية :: القراءة التحليلية لكتاب الظاهرة القرآنية-
انتقل الى: