منتدى مالك بن نبي فيلسوف الحضارة المعاصر

مالك بن نبي مفكر جزائري عالمي معاصر تمكن بدافع حماسه الإيماني العميق وبفضل تمكنه من المنهج العلمي المعاصر من تشخثص مشكلات الحضارة الإسلامية خاصة ووضع الحلول المناسبة لها ..
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 القراءة التحليلية في كتاب "الظاهرة القرآنية " لمالك بن نبي ** عبد المالك حمروش ** الحلقة (22)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبد المالك حمروش
مدير عام
مدير عام
avatar

عدد المساهمات : 354
تاريخ التسجيل : 14/04/2013

مُساهمةموضوع: القراءة التحليلية في كتاب "الظاهرة القرآنية " لمالك بن نبي ** عبد المالك حمروش ** الحلقة (22)    الأحد يناير 26, 2014 9:17 pm

كيفية الوحي


الآن نعتذر ممن يأتي إلى الصفحة راغبا في عضويتها لبدء جلستناالمقررة بعد التأخر لقرابة الساعة حتى لا نتأخر أكثر خاصة وأن موضوع الجلسة يقع في صميم التعريف بفكر مالك بن نبي ونشره بين الناس .. فليتفضل الحاضرون بفتح ص 143 من كتاب الظاهرة القرآنية لنشرع في القراءة التحليلية لفصل جديد هو "كيفية الوحي" ضمن حلقة جديدة حسب تنظيمنا لهذه العملية هي الحلقة 22

لما ذا كيفية الوحي؟ يطرح مالك هذا السؤال مجيبا بأن الموضوع يتناقض مع ما سبقه لكن ضرورة معرفة العلاقة بين ذات الرسول الكريم والوحي تتطلب لدى الناقد مثل هذه الدراسة للوقوف على الظاهرة القرآنية .. ما دام الوحي كما يقول عنصر رئيسي في نظر الناقد فالمسألة كلها ونظرا للجدل الذي أثير حولها تفرض ضرورة الوقوف على الوحي وإثبات أنه وحي وعلى الذات المحمدية الشريفة ومعرفة أنه كاملة وسامية في نوعه البشري لكنها لا تتعداه ولذلك فهي لا يمكن أن تختلق الوحي وتؤلف القرآن لأنه لا قبل للبشر مهما كان كمالهم الإنساني أن يصنعوا وحيا هو من مصدر رباني فوق طاقة البشر ولهذا لا بد من تدقيق النظر في ظاهرة الوحي وكيفية وقوعها حتى يتبين للناس وخاصة منهم النقاد النزهاء والمغرضين أن الوحي وحي والرسول رسول وتخرس ألسنة السوء إلى الأبد ولأن المنتقدين يفعلون ذلك باسم العلم فإن مالك بن نبي يقارعهم الحجة بالحجة بالعلم أيضا وبالمنطق ويسكتهم راغمين ..

وإذن كيف يقع الوحي عموما عند جميع الأنبياء والرسل؟ وهذا يعني أن مالك يريد التعميم للخروج من التخصيص الذي أراده المستشرقون وتلاميذهم المستلبون من العرب والمسلمين, الوحي ليس ظاهرة خاصة بمحمد (ص) وإنما هو عام شامل لكل الأنبياء والرسل فإذا كان غير صحيح بالنسبة لواحد منهم ومنتحل ومختلق فالأمر ذاته ينسحب على جميع الأنبياء والرسل فكلهم حملوا رسالة سماوية وصلتهم عن طريق الوحي ولهذا فطبيعة الظاهرة عامة مشتركة وما يلزم عنها لدى أي واحد من الأنبياء والمرسلين يلزم مثله لجميع هذه الطائفة من الناس كأنما يقول لهم مفكرنا العظيم إذا أنتم برهنتم على أن القرآن ليس وحيا فإنكم في ذات الوقت تكونوا قد برهنتم على أن الإنجيل والتوراة والزبور وغيرها من كتب رسلكم ليست وحيا أيضا وأي إفحاما أكبر من هذا الإفحام فبعدها لم ينطق واحد منهم وتركوا صبيانهم التائهين الضبابيين يصرخون في بلدان العروبة والإسلام محاولين المستحيل لإثبات ما تم إبطاله نهائيا.

فكيف وقع الوحي إذن عند جميع الأنبياء والرسل؟ هكذا ينبغي أن يطرح السؤال .. وللإجابة يذهب مالك بن نبي إلى أن بعض علماء الدراسات الإسلامية وأظن أنه يقصد المستشرقين بالذات وأتباعهم العرب والمسلمين يعتبرون مصطلح الوحي الوارد في القرآن الكريم هو عبارة عن "حدس" و"مكاشفة"(1) و"إلهام" أو شيء من هذا القبيل من المصطلحات المستعملة في علم النفس بمعنى أنه من موضوع النفس البشرية وهي قادرة على تصور هذه الحالات وبالتالي يمكن للبشر أن يأتي يها مما يجعلها ليست وحيا بالمفهوم الرسالي الرباني على اعتبار أنها ذات مصدر إلهي بل بالإمكان ما دامت من الظواهر النفسية التابعة للطبيعة البشرية أن تكون ذات مصدر بشري أي أن القرآن العظيم ليس وحيا ولا هو كلام الله المنزل ولا محمد عليه الصلاة والسلام برسول وهنا ينصدى لهم مالك بن نبي مدققا وفاحصا ومزيفا لما ذهبوا إليه مفصلا القول باعتماد مصطلحات علم النفس وهل تصلح هذه التي فسروا بها الوحي لتكون مطابقة له وبالتالي تكون من موضوع علم النفس الذي هو السلوك البشري؟

يتابع المفكر العبقري مالك بن نبي التدقيق في المصطلحات التي اعتمدها هؤلاء الدارسين مثل "المكاشفة" وهي عندهم مصطلحات الوحي التي تدخل في مجال علم النفس فيبطل ما دهبوا إليه بحجج من نفس علم النفس ويبين تدليسهم وخطأهم الفادح المبيت وسيستمر في هذه المهمة الحاسمة في ص 144

يمكن تلخيص هذه الحلقة في بداية بحث مالك بن نبي في كيفية الوحي بكونه تصدى لبعض الدارسين المغرضين الذين أرادوا إدخال الوحي في دائرة علم النفس كظاهرة نفسية عادية ومن ثم لا يكون منزلا من رب العالمين فأثبت لهم عكس ما يدعون في علم النفس ذاته وأن الوحي ليس ظاهرة نفسة بشرية عادية وبين زيف المصطلحات التي اعتمدوا عليها لكونها ليست من علم النفس ذاته أو ليست في الوحي كما هي في علم النفس فالظاهرة ليست واحدة في الحالتين ولا يمكن إخضاع الوحي للدراسة النفسية أبدا.

يواصل مالك بن نبي في ص 144 ما كان قد شرع فيه في الصفحة السابقة من رد حاسم على الأدلة التي جاء بها الدارسون الغربيون وتلاميذهم العرب والمسلمون على أن الوحي ظاهرة نفسية مثل بقية الظواهر ونسبوه إلى مصطلحات مثل الحدس والإلهام والمكاشفة أو الرؤية المباشرة التي لا تمر من خلال التجربة أو البرهنة بل تشرق في النفس إشراقا .. فينقدها مالك بن نبي ويبين باستعمال نفس المنهج النفسي على أن ما ذهب إليه هؤلاء الدارسون الذين هم فيما أعتقد المستشرقون وأتباعهم ليس صحيحا ويقيم البرهان على ذلك بكون ما يتم في المكاشفة أو الوحي النفسي على مستوى الدراسة النفسية هو موضوع قابل للتفكير أو وقع فيه التفكير بالفعل كما هو سقوط التفاحة مثلا على رأس نيوتن الذي كان يفكر بالفعل في ظاهرة الجاذبية الأرضية فاهتدى بذلك السقوط المفاجئ للتفاحة فيما هو يتجول في البستان إلى اكتشاف قانون الجاذبية الشهير .. بينما ظاهرة الوحي تكون ببلوغ معرفة تلقائية مطلقة في موضوع لا يشغل التفكير وهو غير قابل للتفكير أصلا .. وهكذا يكون الفرق شاسعا بين الظاهرة النفسية البشرية العادية وظاهرة الوحي المطلقة التلقائية المستحيلة على التفكير وعلى الأحوال النفسية البشرية العادية .. فمن أين لعلم النفس أن يتخذ منها موضوعا؟ ومن أين يأتي بالظواهر القابلة للدراسة بمنهج علمي نفسي للوحي الذي يريد أن يعتبره مجرد ظاهرة نفسية وهي ليست كذلك أبدا؟ أو أنها ظاهرة نفسية خاصة بالأنبياء والرسل ومصدرها ليس النفس البشرية بل الرسالة الربانية التي لا يدركها غير من ترسل إليهم من البشر وهكذا يكون تدخل علم النفس في الموضوع هو خروج عن مجاله ولا يمكن له أن يدرك ما يقع في الوحي أبدا فيكون مالك بن نبي بهذا قد أبطل دعوى المستشرقين أو الدارسين الغربيين كما نعتهم نهائيا وأثبت ذلك بالدليل والبرهان من علم النفس ذاته ومنهجه وموضوعه ونتائجه ومبادئه المعروفة.

ويواصل مالك بن نبي مقارنته الدقيقة بين الوحي والمكاشفة النفسية أو الحدس الذي يؤدي في حالة وقوعه إلى معرفة احتمالية تتطلب البرهنة أو هي نصف يقين كما قال مالك بن نبي بينما الوحي يصل إلى المعرفة الكاملة المطلقة التي لا مجال فيها للشك أو الاحتمال أو الحاجة إلى البرهنة وإذن فإنه ظاهرة مختلفة عن الظاهرة النفسية المسماة بالكشف أو الحدس ولا شبه بينهما ولا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار الوحي مطابقا أو شابها للظاهرة النفسية ولا يمكن بأي حال من الأحوال لذلك أن يكون موضوعا لعلم النفس كما يتعسف في ذلك المستشرقون ويحاولون المستحيل ..
إذن المعرفة العلمية النفسية أو غيرها عندما تتم بالمكاشفة أو الحدس تؤدي إلى معرفة احتمالية تتم البرهنة عليها لاحقا وتبقى موضع شك دائما في حين أن ظاهرة الوحي تأتي مباشرة ومطلقة ويقينية يعتقد العالم بها وهو النبي بأنها أتته من مصدر علوي ممثلة للحقيقة المطلقة التي لا مجال فيها للاحتمال أو الشك وذاك ما يسميه مالك بن نبي شرط الإطلاق في ظاهرة الوحي والمعرفة التي تأتي عن طريقه وهو أمر مختلف تماما عما يتم في الظاهرة النفسية المعرفية التي هي موضوع علم النفس أو أحد موضوعاته .. وللانتهاء من الموضوع يستعمل مالك بن نبي واقعتين حدثتا بالفعل في المسيحية (1) وأيضا في الإسلام عند الرسول عليه الصلاة والسلام فما كان له مثل "أرمياء" من قبل فب موضوع مشابه أن يفسر بالمكاشفة أو بالحدس حالة أم موسى عندما ألقت بولدها في البحر.
وهكذا يكون مالك بن نبي قد وضع النقاط على الحروف وقطع الطريق على المستشرقين والدارسين الغربيين وتلاميذهم عموما الذين استعملوا علم النفس كأداة لنفي الوحي والنبوة عن محمد (ص) فأثبت لهم علميا ومن داخل علم النفس ذاته موضوعا ومنهجا بأن ظاهرة الوحي يستحيل ان تكون هي الظاهرة النفسية وبالتالي فإن استعمال علم النفس لدراستها قصد نفيها ومصدرها الرباني ومتلقيها الرسول الكريم كونه ليس رسولا بأن ما يذهبون إليه باطلا فعلم النفس لا يصلح لدراسة ظاهرة الوحي ولا يمكن لها أن تكون موضوعه وبالتالي فإن أي نتائج تترتب عن تعسفهم باسم العلم باطلة لأنها قامت على باطل لاسيما وهو عدوان مبيت وتعصب نابع من دوافع ذاتية لا علاقة لها بالعلم أصلا. (نهاية ص 144)

هكذا نكون قد انتهينا من ص 144 ومن جلسة الليلة لنفتح المناقشة لمن يريد في هذا الموضوع الحاسم في إثبات صحة الرسالة والرسول باستعمال ذات العلم الذي اتخذ منه الناقدون المغرضون أداة لنفي نفس الأمر أي الوحي والنبوة فردهم العلامة مالك بن نبي معتمدا على نفس علم النفس على أعقابهم خاسئين ولله الحمد من قبل ومن بعد.

ظاهرة الوحي ليست ظاهرة نفسية عادية أو أنها ظاهرة نفسية خاصة بالأنبياء والرسل وبالتالي لا يمكن أن تكون موضوع علم النفس البشري العادي فما على المدعين هذا إلا أن يؤسسوا علم نفس نبوي ولو أنه مستحيل من الناحية العلمية المحضة كون الذي يتعامل مع الظاهرة هم الأنبياء والرسل فقط فكيف لعالم نفس أن يلاحظ كيفية وقوع تلك الظاهرة الموقوفة على أصحابها من المرسلين وحدهم؟!

في ص 145 كان مالك بن نبي في سياق "كيفية الوحي" ولا زال يتابع تلك القضية التي اعتبرها - أي الوحي المستشرقون- وتلاميذهم بمن فيهم المسلمون المستلبون ظاهرة نفسية يمكن دراستها بعلم النفس معتبرين الوحي إلهاما أو مكاشفة أو حدسا وقد رأينا كيف أثبت مالك بن نبي خطأهم الجسيم باستخدام علم النفس ذاته موضوعا ومنهجا ليرفع كل لبس عن ظاهرة الوحي التي ليست أبدا ظاهرة نفسية مما يجعلها خارج موضوع علم النفس ومنهجه لا ينطبق عليها بأية حالة من الأحوال .. وهكذا يبطل باطلهم وينسف كيدهم من أساسه ويغلق البحث المغرض في هذا الموضوع إلى الأبد باستعمال العلم الذي استعملوه علم النفس ومنهجه فبهت الذي كفر وابتعد عما كان فيه من ضلال وتضليل.  

ولحسم هذا الموضوع مرة أخرى وبعد نفي شبهة الظاهرة النفسية عن الوحي يعمد مالك بن نبي إلى محاولة استخلاص معنى الوحي من القرآن الكريم. فهناك معنى جدليا غرضه تمكين النبي الكريم من وسيلة منطقية للجدل مع خصومه سواء تعلق الأمر بمسائل غيبية بحتة أو بوقائع مادية ملموسة غير مدركة تنكشف للرسول الكريم عن طريق الوحي مما يعني أن النبي كبشر وهو من أكمل البشر لا يستطيع إدراك الغيب سواء كان في مسائل عالم الغيب أو حتى في عالم الشهادة حيث تغيب على الناس معاني أشياء في الواقع الذي يعيشونه ومنهم الرسول نفسه باعتباره بشر مهما كان كماله البشري الطبيعي غير أنه يستطيع إدراك ما لا يدركه غيره من البشر عن واقعهم المعيش وذلك عن طريق الكشف الغيبي الذي يأتيه عن طريق الوحي أو هكذا يفسر القرآن الكريم معنى الوحي ويحدده بوسائل للجدل يتلقاها النبي المرسل ليجادل بها خصومه ووسائل أخرى تتعلق بتربية شخصيته وتنميتها واكتمالها أكثر وتمكنها من إدراك الغيب في عالمي الغيب والشهادة لكن عن طريق الوحي وليس عن طريق اكتمال شخصي تخرج الرسول عليه (ص) من طبيعته البشرية كليا أو جزئيا فما هو إلا بشر مثل غيره مهما كانت امتيازاته الطبيعية يأكل الطعام ويمشي في الأسواق .. وهنا ندرك نهاية ص 145 .. ونهاية جلستنا هذه الليلة .. أشكر لكم كرم المتابعة وباب المناقشة مفتوح لمن يرغب فيها.

يتحدث مالك بن نبي في بداية ص 146 عن المغيب المكشوف الذي كان قد بينه في السابق وهو المعرفة بالوحي عموما وإدراك بأنه وحي واليقين بذلك ويعتبر هذا المغيب المكشوف مقياسا للنبي الكريم ليميز به بكل وضوح ويفرق بين ما هو وحي منزل وما هو شخصي من الإلهام كأفكاره ومكاشفاته الشخصية أي ما ما يمكن أن يحصل لأي بشر بطبيعته كذلك هذا الأمر يلح عليه مالك بن نبي التفريق بين الوحي والأحوال النفسية الشخصية وسبب ذلك كما تحدثنا سابقا يتصل بالهدف من الكتاب كله وهو إقامة الحجة العلمية والمنطقية على أن الوحي رباني والرسول مرسلا من عند الله وهي القضية التي ركز عليها المستشرقون ومن لف لفهم وأتباعهم العرب والمسلمون في محاولة يائسة مدسوسة ومشبوهة لنسف الإسلام من أساسه أو على الأقل التشكيك فيه من جهة كون الوحي حالة نفسية بشرية كالإلهام أو هو كذلك بالفعل تقع في موضوع علم النفس وإذن فإنها تحدث لجميع البشر مما يجعل المسألة كلها قابلة للتشكيك والنفي.

بعد ذلك يتحدث مالك بن نبي عن بحث العلماء المسلمين لظاهرة الوحي هذه من كل الجوانب وقد اهتموا بها كثيرا وكنموذج لذلك البحث يضرب مثلا بفكرة الشيخ محمد عبده في الموضوع وهو العالم الشهير من بين علماء المسلمين المحدثين مما يجعله ممثلا للقديم وأيضا للجديد قبل مالك بن نبي في موضوع الوحي هذا محل حديثنا .. وبعد استعراض فكرة الشيخ محمد عبده (3) كما تلاحظون في الصفحة أمامكم يصدر مالك بن نبي حكمه عليها بأنها غير كافية بسبب غموض معنى اليقين فيها وهو الاعتبار الأكثر أهمية في سياق فكرة مالك بن نبي ذلك لأن الشيخ عبده يبقي الوحي في دائرة الإلهام الذي هو مسألة نفسية إنسانية وإذن فإن اليقين فيها هو الذي يحصل لجميع البشر عندما يتلقون فكرة عن طريق الاستعدادات البشرية الطبيعية لذلك وهذا اليقين ليس هو ذاته الذي يستقيه الرسول (ص) من الوحي وحده دون غيره وهو متيقن أيضا من أن مصدره هو الوحي الرباني وليس نفسه مهما كان ذكاؤها وقدراتها الكبيرة على التصور إلى أقصى حدود القدرة البشرية في هذا المجال وإذن فاليقين النبوي الحاصل بالوحي يختلف كل الاختلاف عن اليقين الحاصل بالإلهام بمعنى أن الغموض في هذا التحديد لليقين يجعل بعض الغموض باقيا في مفهوم الشيخ عبده لليقين وبذلك تكون فكرته عاجزة عن حل الإشكال المطروح أو لنقل إن مالك بن نبي رفضها وذلك يعتبر عنوانا على رفضه للتفسير التراثي للوحي وعلى الأخص مسألة اليقين فيه.

نقف قليلا هنا ونحاول التدقيق في السبب أو الأسباب التي جعلت مالك بن نبي يرفض فكرة الشيخ محمد عبده عن اليقين في الوحي أو مصدره فالوحي عندما لا يكون متنقلا بوسائل حسية يجعلنا حسبما ذهب إليه الشيخ محمد عبده نقع "في تعريف الوحي تعريفا ذاتيا محضا" يقول مالك بن نبي أي نقع بالضبط في فخ المستشرقين وأتباعهم ويصبح الوحي إلهاما أو ما شابه ذلك من أحوال النفس التي تكون موضوع علم النفس وما يترتب على ذلك من إمكان التشكيك في الرسالة والرسول ورفضهما لاحقا. حيث إن النبي في تفسير الشيخ للوحي يجد في نفسه معرفة لا يدرك كيف جاءته مع تيقنه من أنها وحي. وفي هذا تناقض واضح يقول مالك يضفي على الوحي كله صفة المكاشفة أو الإلهام أي حالة نفسية بشرية عادية, والمكاشفة لا يمكنها كما يضيف المؤلف أن تؤسس يقينا قائما على إدراك لأن من يأتيه إلهام لا يدري من أين أتاه أو مصدره في حين أن الإدراك في حالة الوحي كما يبدو في الآيات القرآنية إنما هدفه إعداد الرسول (ص) لفهم طبيعة الظاهرة القرآنية كما يختم مالك بن نبي كلامه في هذه الصفحة .. وبهذا نصل نهاية ص 146 ولنتوقف هنا لنفتح المناقشة والحوار فليتفضل من يريد ذلك لإثراء الموضوع وتوضيح مضمونه أكثر وتوجيه النقد اللازم وليس الانتقاد.

في صفحة 147 يواصل المفكر مالك بن نبي الحديث عن كيفية الوحي حيث رأيناه في نهاية الصفحة السابقة يخالف الشيخ  محمد عبده في تعريفه للوحي وخاصة في قضية اليقين فيما اعتبره الشيخ عبده إلهاما وكون النبي (ص) متيقنا من أنه من عند الله لإلا أن مالك يختلف مع الشيخ في هذا الموضوع بسبب اعتبار الدارسين الغربيين وأظنه يشير بذلك إلى المستشرقين يدخلون من هذا الباب الذات لينكروا الرسالة والرسول بالاعتماد على علم النفس وكون ظاهرة الإلهام نفسية توجد لدى جميع الناس ومن ثم يمكن إخضاعها للدراسة النفسية ولا شيء يثبت فيها أنها ظاهرة خاصة مصدرها الغيب.  فكيفية الوحي عند مالك بن نبي تختلف تماما عن الإلهام أو المكاشفة أو أي ظاهرة نفسية أخرى فهو خاص بالنبي وحده أو بالأحرى الأنبياء والرسل ولا يمكن لذلك أن يكون موضوعا لعلم النفس أبدا. فاليقين هنا هو خاص بالنبي وليس كذلك الذي يحدث في الإلهام حتى لو اعتقد صاحبه أن مصدره الله فذاك من الظواهر البشرية العادية أما الوحي وكيفيته وطريقة إدراكه واليقين الحاصل به فإنما يختص به الأنبياء والرسل وهو هنا بشهادة الآيات الواردة في موضوعه يفيد بأنه عبارة عن كيفية لإعداد الرسول (ص) لتلقي الظاهرة القرآنية وفهمها. في بداية ص 147 يضرب مالك بن نبي مثلا بالآية القرآنية التي خاطب فيها الله سبحانه وكيف أجابوه في قوله جل من قائل: (وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي, قالوا: آمنا واشهد بأننا مسلمون). [المائدة 111/5].


الوحي هنا كلام عادي يقول مالك بن نبي تدل على ذلك إجابتهم عليه لكن هناك جانب آخر في الإجابة هو اليقين الإدراكي لدى هؤلاء الحواريين وهو إدراك ناتج بأكمله عن الوحي أي أنه لا يكون لدى سائر البشر أو من صفاتهم النفسية ومداركهم الطبيعية فالظاهرة هنا غيبية نبوية تتعلق بالوحي وحده وليس بطبيعة البشر وهو إدراك لا يصاحب الوحي بل ينتج عنه وفي هذه النقطة بالذات يعترض مالك بن نبي على تعريف الشيخ محمد عبده للوحي ولليقين فيه حيث تبقى المسألة محصورة في نطاق الظاهرة النفسية الطبيعية البشرية بينما كيفية الوحي واليقين فيه ويستخلص مالك بن نبي قاعدة عامة في مسألة الإدراك هي أن التيقن بصحة ظاهرة ما لا ينتج عن مشاهدتها أي المستوى الحسي من المعرفة بل بل إن ذلك اليقين مصدره العقل كرد فعل عقلي على مشاهدة الظاهرة أي أن اليقين مصدره العقل وليس الحس كذلك فإن اليقين في الوحي مصدره الوحي ذاته وليس كونه مصاحبا له.


_______________________________________________________________
(1) يستعرض المترجم تعريف الشيخ رشيد رضا الوحي النفسي مطولا فليعد إليه من أراد ذلك
(2) راجع صفحة 89 وما بعدها
(3) رشيد رضا (الوحي المحمدي) ص28 القاهرة 1935م
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://benabbimalek.forumalgerie.net
 
القراءة التحليلية في كتاب "الظاهرة القرآنية " لمالك بن نبي ** عبد المالك حمروش ** الحلقة (22)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى مالك بن نبي فيلسوف الحضارة المعاصر :: الفئة الثانية :: القراءة التحليلية لكتاب الظاهرة القرآنية-
انتقل الى: