منتدى مالك بن نبي فيلسوف الحضارة المعاصر

مالك بن نبي مفكر جزائري عالمي معاصر تمكن بدافع حماسه الإيماني العميق وبفضل تمكنه من المنهج العلمي المعاصر من تشخثص مشكلات الحضارة الإسلامية خاصة ووضع الحلول المناسبة لها ..
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 مالك بن نبي الإجتماعي - المركز الجامعي زيان عاشور الجلفة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبد المالك حمروش
مدير عام
مدير عام
avatar

عدد المساهمات : 358
تاريخ التسجيل : 14/04/2013

مُساهمةموضوع: مالك بن نبي الإجتماعي - المركز الجامعي زيان عاشور الجلفة   الخميس يناير 23, 2014 6:36 pm

مالك بن نبي الإجتماعي

المفكر الجزائري  مالك بن النبي

وزارة التعليم العالي والبحث العلمي

المركز الجامعي زيان عاشور الجلفة

معهد العلوم الإنسانية و الإجتماعية

ثانية علم إجتماع - الفوج الثاني-

المقياس تحليل سوسيولوجي لتاريخ الجزائر

دراســـــة تحليليــة

لفكر مالك بن نبي

من إنجاز :  قرقيط عمر

-          

 تحت إشرف :

     أ/ دليوح عبد الحميد

 مقدمـــة

المبحث الأول "  سيرة وحياة مالك بن نبي "

          المطلب الأول   :  مولده وظروف نشأته

          المطلب الثاني  :  مؤلفاته

          المطلب الثالث : مالك بن نبي في عيون الآخرين

المبحث الثاني " المحاور الكبرى لفكر مالك بن نبي "

          المطلب الأول: سوسيولوجيا الثورة

          المطلب الثاني : حركة المجتمع

          المطلب الثالث : مشكلة الحضارة

         المطلب الرابع : الإستشراق

       المطلب الخامس:قضية المرأة

خاتمــــــة



مقدمة

إننا أمام رجل يتحسس مكامن الداء ، ويرفض الأحكام المسبقة أو الفرضيات المتعجرفة ، إنما بحصانته ، وهدوئه الذي يضع الأشياء في أماكنها ويقرر مصائرها بعد التقصي ، والتدقيق ، وربما التجربة فكان بذلك أول مفكر عربي يطبق المنهج العلمي الصرف على القضايا الفكرية العربية والإسلامية الكبرى ذات الأبعاد الحضارية ولم يكن بأي حال من الأحوال يرغب في معرفة ما تحدثه تحليلاته من ردود أفعال في محيطه بقدر ما كان شغله الشاغل موضوع الإقلاع الحضاري للأمة الإسلامية ، وتحقيق النهضة الشاملة التي تعم الجميع ، فكان بذلك متميزا في طرحه ، علميا في منهجه ، متفتحا على غيره ، عالمي النظرة في معالجته للحضارة كغاية إنسانية نبيلة تشترك فيها البشرية ككل تدعوا إليها ، وبذلك نستطيع أن نقول مالك بن نبي هو أحد مجددي الفكر الإسلامي بالمعنى الصحيح لكلمة مجدد ، وهو لذلك يستحق منا أكثر من إلتفاتة ، و أكئر من وقفة  .

 إذا من هو مالك بن نبي ؟  

وكيف كان فكر هذا الرجل ؟

 و ماهي المحاور الكبرى التي تناولها في كتاباته ؟

سيرة و حياة مالك بن نبي:

مولده وظروف نشأته :

يعد مالك بن نبي نفسه من أولائك المحظوظين الذين سمحت لهم الأقدار أن يولدوا في زمان يعتبر صلة وصل بين ماضي عريق أنطفا نجمه . والمستقبل لا يزال في بداية صياغته وتشكله . " لقد ولد مالك بن الحاج عمر بن الخضر بن نبي في الخامس من ذي القعدة عام 1323 هــ  الموافق 1 جانفي 1905 في مدينة قسنطينة"[1] . عندما بلغ السابعة من عمره هاجر جده إلى طرابلس تعبيرا عن رفض مساكنه مع المستعمر وآثار أبواه البقاء بمدينة تبسة . وكان أبوه فقيرا عاطلا عن العمل . وأثرت فيه حال الفقر هذه خصوصا بعد وفاة خال أمه الذي كان قد كفله بقسنطينة أثناء طفولته الغضة مما اضطر زوجة خاله الأكبر إلى رجوعه إلى تبسة .إلى بيت والديه و استقر به المقام في تبسة حيث كانت والدته تشتغل في الخياطة لكسب قوت عيالها وجلب الحاجيات الضرورية لأسرتها وما لبث أبوه أن تقلد منصب خوجة بالإدارة المحلية بتبسة أهلته لدراسة بالمدرسة الرسمية  فضمن بذلك لأبنائه موردا للرزق ، وكان مالك بن نبي يدرس بالكتاب والمدرسة الإبتدائية الفرنسية ، على عادة أهل البلد ، ولم يفلح سوى في حفظ جزء يسير جدا من القرآن الكريم ، وذلك لعقم الطرق التربوية التي كان يلقن بها آنذاك ، في حين نجح في دراسته الإبتدائية باللغة الفرنسية التي تلقاها بين تبسة و قسنطينة ، ومنذ طفولته ذا شعور ديني قوي ، وأثر فيه جده لأمه بعد عودته من طرابلس إثر إحتلالها من طرف الإستعمار ، وبعد نجاحه في شهادة الدراسة الإبتدائية بدرجة "جيد" سمحت له بمزاولة دراسته بتكميلية متوسطة سيدي جليس بقسنطينة ، وكان مالك يعد نفسه للدخول  ، وكان مالك يعد نفسه للدخول إلى المدارسة الرسمية ليتخرج منها عونا قضائيا ، وتعلم العربية على يد الشيخ عبد المجيد .

وفي النهاية حالفه النجاح فدخل إلى المدرسة الرسمية سنة 1923م وفي تلك الأثناء أغترف مالك من مناهل الأدب العربي والأدب الفرنسي و من معين الإصلاح فطالع أم القرى للكوكبي وابن خلدون ورسالة التوحيد لمحمد عبده ولامارتين وشاطو بريان وغيرهم ، كما أنه كان مولع بمطالعة الصحافة العربية والفرنسية من جريدة لومانيتي ، إلى المنتقد، إلى العروة الوثقى إلخ....وأطلع على ما يجري في العالمين الإسلامي والغربي من تحولات فكرية وسياسية وعلى ما يجري على الساحة الجزائرية من أحداث سياسية وإصلاحية وثقافية .

 وتخرج من المدرسة الرسمية سنة 1925م لكنه أتعب نفسه في الحصول على عمل بعد تخرجه دون جدوى ، ولذلك قرر أن يسافر إلى باريس بحثا عن العمل اليدوي وليواصل دراسته ، وبعد عناء ومتاعب جمة لم يتمكن من الحصول على عمل قار وعاد إلى الجزائر وإلى تبسة  ليشتغل عونا في محكمتها ، ثم عين سنة 1927م عدلا بمدينة آفلو ثم حول بطلب منه إلى شلغوم العيد قصد شغل نفس المنصب ، ولكنه نفر من العمل في تلك الأوساط الموبوءة وأبت نفسه الأبية إلا أن يتقدم بإستقالته إلى المحكمة حوالي 1928م وعاد إلى تبسة ليشتغل بالتجارة مع صهره وشريك ثالث ، غير أنه أصيب هو وشركاؤه بإفلاس إضطرهم إلى بيع الطاحونة حتى لا يضطروا إستعمال  الوسائل اللامشروعة في الحصول على الأرباح كما يفعل التجار آنذاك وإحتفظوا بالسيارة النقل لصهره .

وبعد هذا الفشل المحتوم عاد مال بن نبي سنة 1930م إلى باريس من أجل الإلتحاق بمعهد الدراسات الشرقية قصد أن يتأهل بعد ذلك للدخول إلى كلية الحقوق بدون بكالوريا ، ولكن مدبري الصراع الفكري وفي مقدمتهم بعض المستشرقين الحاقنين على الإسلام حالوا آنذاك دون دخوله إلى المعهد ، فتحطمت بذلك آماله وآمال عائلته في الحصول على ليسانس الحقوق ، واضطره بعد ذلك المستشرقين الحاقنين على الإسلام حالوا آنذاك دون دخوله إلى المعهد ، فتحطمت بذلك آماله وآمال عائلته في الحصول على ليسانس الحقوق ، واضطره بعد ذلك إلى الإلتحاق بمدرسة اللاسلكي  وتزوج سنة 1931 بفتاة إعتنقت الإسلام وسمت نفسها خديجة ، وبقي في الذهاب وإياب بين فرنسا والجزائر ليشهد التطورات الفكرية والسياسية في أوربا والعالم الإسلامي والجزائر خاصة ، حيث كان يتابع بإهتمام خاص تطور الحركتين الوطنية والإصلاحية ويعاضدهما بفكره ونضاله ، ويتأسف لتعثرهما ويبتهج بانتصاراتهما ويبلور أهدافهما ومبادئهما في إطار المشروع الحضاري الكامل الذي يدافع عنه .

وبعد تخرجه مهندسا كهربائيا امتنع عن الرضوخ للضغوط الإستعمارية مما حال دون توظيفه ودون أحلامه في الهجرة إلى بعض البلدان الإسلامية ، وسمحت له روحه النقدية ودراساته الإجتماعية والفلسفية والسياسية واحتكاكه بالأوساط الثقافية بالإنكباب على مشاكل العالم الإسلامي يدرسها محللا وناقدا ومنظرا ، واتجه نحو تحليل الأحداث التي كانت تحيط به ، وقد أعطته ثقافته المنهجية وأخلاقياته الصارمة فائقة على إبراز مشكلة العالم المتخلف باعتبارها قضية حضارية بالدرجة الأولى ، فوضع كتبه جميعها تحت عنوان " مشكلات الحضارة ".[2]  

  كما إلتقى بشخصيات وطنية و أجنبية – ربط علاقات مع تلامذة الشيخ عبد الحميد بن باديس- لكن السلطات الفرنسية لم تغفل عنه بل حاصرته وحرمته الشهادات رغم تفوقه على الفرنسيين أنفسهم ومنعته الوظيفة و السفر ، وبعد الإستقلال وفي 1963 شغل منصب مدير جامعة الجزائر وطالب بإنشاء مدرسة جزائرية لعلم الإجتماع  وفي عام 1967م إستقال من منصبه في التعليم ليتفرغ للعمل الفكري حيث نظم الندوات الفكرية في بيته يحضرها أساتذة وطلبة الجامعة ، وحاضر في جميع أنحاء الجزائر وفي جامعاتها ومعاهداها العليا وفي ملتقيات الفكر الإسلامي ساهم بقسط وافر في تأسيسها  ، وبقي يناضل بالكلمة إلى أن وافته المنية في يوم الأربعاء 04 شوال 1393 ه الموافق ل 31 أكتوبر 1973 م[3] .  

مؤلفات مالك بن نبي :

خلف لنا مالك بن نبي إنتاجا غزيرا يتميز بالدقة المنهجية والجدلية في طرح المشاكل ، والتفاني في إيجاد الحلول لها ومنها :

أصدر في الجزائر :

1 الظاهرة القرآنية : محاولة نظرية عن القرآن الكريم ويحتوي على مقدمة وثلاث أبواب تتوزع على أحد عشر فصلا ، يتحدث في الباب الأول عن الظاهرة القرآنية ، وفي الباب الثاني عن الرسول ن وفي الباب الثالث عن الرسالة ، وقد أصدر هذا الكتاب سنة 1946 م .

2 لبيك : وهي قصة تتسم بالشاعرية ، صدرت سنة 1947 م.

3 شروط النهضة : ويحتوي هذا الكتاب على مقدمة وبابين ، خصص الباب الأول  للحضارة و التاريخ ، والباب الثاني للمستقبل ويتحدث عن العناصر الثلاثة وهي : الإنسان والتراب والزمن ، وعن أثر الفكرة الدينية في تكوين الحضارة وعن توجيه الثقافة والتوجيه الأخلاقي والجمالي وعن توجيه العمل ورأس المال وصدر هذا الكتاب سنة 1948 .

وأصدر في باريس :

4 وجهة العالم الإسلامي سنة 1954م : ويحتوي الكتاب على مدخل وستة فصول وخاتمة ضمنها الحديث عن مجتمع ما بعد الموحدين والنهضة وفوضى العالم الإسلامي وفوضى العالم الغربي والطرق الجديدة وبواكير العالم الإسلامي .

ولجأ عام 1956م  إلى القاهرة وأصدر هناك الكتب التالية :

5 الفكرة الإفريقية الآسيوية بمناسبة إنعقاد مؤتمر باندونغ 1956م.  

6 مشكلة الثقافة سنة 1957م.

7 أنقذوا الجزائر سنة 1957م.

8 الصراع الفكري في البلاد المستعمرة سنة 1957 وهو تطبيق علمي لعلم النفس الإجتماعي في مجال الدراسات السياسية وتحليل الصراع الفكري .

9 البناء الإجتماعي الجديد الذي نشر في بيروت سنة 1958م.

10 فكرة كومنولث إسلامي سنة 1958

11 تأملات في البناء الجديد سنة 1960 م.

12 مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي سنة 14960 م .

13 ميلاد مجتمع سنة 1960 .

14 في مهب المعركة سنة 1961

إنتقل إلى الجزائر عام 1962 م حيث عين مديرا عاما للتعليم العالي ، ثم إستقال من منصبه سنة 1967 م وأصدر في الجزائر الكتب التالية :

15 آفاق جزائرية  سنة 1964م ويحتوى على مشكلة الحضارة ، ومشكلة الثقافة ، ومشكلة الإيديولوجيا.

16 مذكرات شاهد القرن : الجزء الأول : الطفل ، الجزائر سنة 1965 م .

17 أعمال المستشرقين : سنة 1967 م

18 الإسلام والديمقراطية سنة 1968

19 مذكرات شاهد القرن الجزء الثاني الطالب ، بيروت 1970م

" مذكرات شاهد القرن: نشر الجزء الأول بهذا العنوان وحده بالفرنسية، وترجمه إلى العربية السيد "مروان القنواتي" عام 1969، وأضيف بعد ذلك تحت هذا العنوان في الجزء الثاني الذي نشر عام 1970، اسم الطالب لكونه يخص مرحلة الدراسة في فرنسا ابتداء من عام 1930.
ومذكرات شاهد القرن هي صورة عن نضال مالك بن نبي الشخصي في طلب العلم والمعرفة أولا، والبحث في أسباب الهيمنة الأوروبية ونتائجها السلبية المختلفة وسياسة الاحتلال الفرنسي في الجزائر وآثاره ثانيا، مما عكس صورة حية لسلوك المحتلين الفرنسيين أنفسهم في الجزائر ونتائج سياستهم ووجوهها المختلفة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية."[4]

20 المسلم في عالم الإقتصاد بيروت 1972 م

21 دور المسلم في الثلث الأخير من القرن العشرين بيروت 1973 م.

22 بين الرشد والتيه وهو عبارة عن مجموعة مقالات نشرت في جريدة الثورة الإفريقية ترجمها وجمعها وبوبها هو بنفسهن وطبعت بعد وفاته بلبنان طرابلس ، سنة 1978 م.[5]

مالك بن نبي في عيون الآخرين :

   يثير مالك بن نبي إعجاب المختصين أمثال الشيخ دراز الذي قال فيه " لسنا هنا أمام مجموعة مواعظ ترمي إلى حشو الذاكرات ، ولكننا أمام نموذج حي لنقاش جدلي ، تمكن أهميته الحيوية في حفز الطاقة الفكرية لكل قارئ قادر على التفكير المنهجي حتى يطرح كل واحد بدوره مشكلة حقيقية ويبحث بمفرده عن الموقف الذي يقفه  من هذا النقاش "[6].  

  وقد عبر الدكتور محمد المبارك عن إعجابه بشخصية هذا المفكر الكبير ، رمز المرحلة الجديدة "مرحلة التحرر من التبعية الفكرية للإستعمار" فقال :" إن مالكا يبدو في كتاب وجهة العالم الإسلامي وفي مجموع آثاره لا مفكرا كبيرا وصاحب نظرية فلسفية في الحضارة فحسب ، بل داعيا مؤمنا يجمع بين نظرة الفيلسوف المفكر ومنطقه وحماسة الداعية المؤمن وقوة شعوره ، وإن آثاره في الحقيقة تحوي تلك الدفعة المحركة التي سيكون لها في بلاد العرب أولا وفي بلاد الإسلام ثانيا أثارها المنتج وقوتها الدافعة ، والرقعة التي هي موضوع البحث وقوة الإحساس والشعور "[7].

  أما زميله الدكتور عبد العزيز خالدي كان أعرف الناس به و بدقة نقده وعمق تحليله وصرامة منطقه ، فقد حاول أن يبرز لنا جوانب من شخصيته وفكره قد تخفى علينا نحن الذين لم نعايشه ولم نشهد تكوينه ولا المضايقات التي كان عرضة لها ، يقول لنا الدكتور خالدي :" إن تكوين المؤلف كمهندس قد ساعده دون شك على التصور الفني للأشياء ، ولكن ثقافته المزدوجة تسمح له بأن يصل هذا التصور بالخطة الإنسانية ، وبنفس الثقة التي تطبع خاتمته المؤثرة ، ونضيف هنا أن الأمر لا يتعلق بعمل مفيد للجزائر فحسب ، لأن هذه المدرسة تتعدى بعبقريته حدود الجزائر ، لكن تضم مجال العالم الإسلامي كله ، حيث أنها تتضمن المشكلة الإنسانية في سائر عناصرها "[8].

 يقول الأستاذ " فوزي الحسن " الذي كان على علاقة وطيدة به إستمرت لسنوات ، وحفزت في مخيلته شواهد دالة على حقيقة وعظمة شخصية فكرية جزائرية متوقدة يقول " كان ذا ثقافة واسعة ، يجيد الحوار والرد على سائله بشكل مقنع شاف ، حتى أنه كان يستطيع تحديد إختصاص السائل العلمي بمجرد توجيه الأسئلة حول أي موضوع ، كان ينشر كتبه لغرض إيصال فكرة ، ولذلك فهي تباع بسعر زهيد مما يوقعه بعجز يسده من جيبه " [9] .

 يقول الدكتور مصطفى السباعي " إستطاع بأسلوبه الذي تفرد به ، وثقافته الغربية الواسعة مع ثقافته الإسلامية أن يوجه عليه أنظار جيل من شبابنا المثقف الذي يتوق إلى الإصلاح مع إحتفاظه بقوة العقيدة ، وسلامة التفكير ، وبدا يُرى في الأستاذ بن نبي رائده الفكري البعيد النظرة القوي الإيمان المناضل بقلمه في سبيل الإسلام "[10] .  



  يقول الأستاذ عمر مسقاوي :" تنطلق أفكار بن نبي لا لتضيف في المجتمع الإسلامي معرفة جديدة بالفقه ، أو علما مستخلصا من تجارب الحضارة الحديثة ، بل لتنظيم هذه المعارف في مفاهيم تربوية تسير الإنسان خطوة متقدمة فهو بطرح  الإسلام كملهم لقيمنا ، وقادر على إستفادة دور الإنسان مبرأ من ثقل الحضارة الإمبراطورية ، وإنما كواقع إجتماعي يسهم بشخصيته في بناء مصير الإنسانية " [11].  

وأستاذ أنور الجندي" مالك بن نبي يختلف كثيرا عن الدعاة المفكرين والكتاب فهو فيلسوف أصيل له طابع العالم الإجتماعي الدقيق الذي أتاحت له ثقافته العربية والفرنسية أن يجمع بين علم العرب وفكرهم المستمد من القرآن والسنة والفلسفة والتراث العربي الإسلامي الضخم ، وبين علم الغرب وفكرهم المستمد من تراث اليونان ، والرومان ، والمسيحية "[12].

يسير  محمد الميلي:"يستخلص بن نبي في كتاباته ....أن خلاص العالم الإسلامي يتمثل في تطويع الغرب لروح الإسلام ، فقد كان فكر مالك بن نبي مدعوًا لأن يلعب دورا معتبرا بعد الإستقلال لكن هذا الدور كان محدودا بفعل عاملين : الأول هو نظريته عن قابلية للإستعمار والتي إستغلها أعداؤه ضده عندما جعلوها نوعا من التنوير للإستعمار والثاني هو الظرف الخاص الذي عرفته الجزائر بعد عام 1962 والذي تغلبت فيه إغراءات التجديد ....وكذلك إغراءات التقليد للغرب وأنماطه الحياتية مما صرف النظر عن هضم عصارة الحضارة الغربية ، و الإستفادة منها إلى أقصى حد ......"[13]  .

ومحمد شاويش يقول:" إن طريقة مالك بن نبي في طرح مشكلة المسلمين كمشكلة حضارة ومجتمع ودعوته المجتمع الإسلامي للنهوض بعماه الخاص الدؤوب ، دون إنتظار نيل الحقوق من طرف خارجي هي طريقة قيمة جدا نحتاج إليها هذه الأيام حين نرى أن من الإسلاميين من يمحور كل نشاطه حول هدف مطالبة السلطة بحقوق أو قوانين ويترك مهمة الإصلاح الإجتماعي مؤجلة بإنتظار تطبيق الشريعة الإسلامية ، إن طريقة مالك بن نبي في التحليل الصبور لمشاكل الحضارة يحتاج إليها جيل الشباب عندنا الذين يميلون في حماسهم إلى ترك التحليل العلمي المنهجي وتفضيل رفع الشعارات عليه" [14].

وهذا بالإضافة إلى الإعجاب المسجل والمكتوب ، كان مالك بن نبي محط إكبار وإحترام من طرف العديد من كبار المفكرين في العالم الإسلامي والذين كانوا يزورون الجزائر بين الحين والآخر ، أمثال الدكتور محمود قاسم ، والدكتور علي سامي النشار ، والدكتور محمد البهي ، والدكتور عبد الحليم محمود قاسم ...وغيرهم.



محاور كبرى لفكر مالك بن نبي

سوسيولوجيا الثورة

يعتبر مالك بن نبي من أكثر المفكرين إلتزاما بقضايا الوطن والثورة لأنها تشكل جزء لا يتجزأ من قضايا الحضارة الإسلامية والنهضة التي خصص لها حصة الأسد من مؤلفاته ، ولقد كلفه هذا الإلتزام التضحية الكاملة بمصالحه المادية ، ومن أهم القضايا  التي إستدعت  إنتباهه وحظيت بعنايته سوسيولوجيا الثورة التي نجدها مثبوتة بكتبه .

"تدور اجتماعية الثورة الجزائرية عند مالك بن نبي حول المحاور الآتية:

-           تحليل النموذج الأسمى للثورة المتمثل في الثورة الإسلامية بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم .

-           تحليل الطرق التي يتبعها الإستعمار في إحباط الأفكار الثورية.

-           تحليل أخلاقيات الثورة

-           تحليل مفهوم الثورة والنقد الثوري .

-           تحليل الثورة المضادة .

-           تحليل النقد والنقد الذاتي

-           الدعوة إلى قيام علم إجتماع خاص بمرحلة الإستقلال."[15]

إن الثورة الجزائرية هي من صنع الجماهير الشعبية الواسعة وليست من صنع طبقة خاصة أو نخبة ، "يقول الأستاذ مالك بن نبي : (ومهما يكن من أمر فإن الشعب الجزائري هو الذي صنع الثورة وكان الفلاح هو الذي صنع حمل عبئها قبل العامل ، والمهتم بالشؤون العقلية ، فقد كانت الثورة في الواقع ثورة فلاحين لا بمجرد عدد شهدائها فحسب ، ولكن بروحها كذلك )" [16]  . "والثورة لابد أن تلتزم في نظره بواجبات منها :

-           أن تحمي نفسها من سائر المحاولات التخريبية التي يكون فيها أصحابها سلطة جانبية في وطن ثوري ، يؤثرون فيه حتى لحساب الخارج بما في أيديهم من وسائل السلطة .

-           الثورة في حاجة إلى أخلاقيات صارمة .

-           الثورة في حاجة النقد والنقد الذاتي .

-           علم الإجتماع ملزم في البلاد التي دخلت في عهد ما بعد الثورة أن يطرح السؤال أمام كل ما يشتم منه رائحة الأمر الغريب الشاذ .

-           ينبغي على الثورة لتفادي الإبهام أن ترسم خطا واضحا حول موضوع التغيير حتى لا يبقى مجالا للخلط.

-           لا تستطيع أية ثورة بناء وضع جديد والحفاظ على مكتسباتها إلا إذا كان أثر عملها قي تصفية الإستعمار ناجحا في تصفية الإنسان من القابلية للإستعمار .

-           يجب على الثورة أن تحافظ على صفاء لغتها حتى تحافظ على قدرتها على تغيير الإنسان . "[17]

ضرورة الثورة الثقافية :

إن مالك بن نبي هو أول من نادى بضرورة صياغة إيديولوجيا تكون في مستوى عظمة الثورة وبضرورة إبداع ثقافة أصيلة نابعة من قيمنا وحضارتنا .

يرى مالك بن نبي أن المسالة تقوم بالنسبة إلى الجيل الذي حقق الثورة في إعداد إنجاز مشروع ثقافة يكون في مستوى مهام وطموحات الثورة ، على أن يأخذ بعين الإعتبار المشاكل النوعية الخاصة بالتخلف ، وباللافعالية ، وفي حقيقة لا تحتمل الشك ، وهي أن الثقافة لا تستورد بنقلها من مكان إلى آخر ، بل يجب إبداعها في عين المكان ، لأن البيئة ليست إحدى لوحات الرسم التي نفكها من مسمار الجدار الذي علقت عليه أول مرة ، لكي ننقلها إلى منزلنا [18].

 مفهوم حركة مجتمع :

وقد بدا لنا من الضروري أن نفسر بعض المفاهيم لمعرفة حركة المجتمع ومفهومها الحقيقي ، وهذا يسمح لنا في هذه الدراسة ، شأن ما يحدث في مدخل أية دراسة ، المصطلحات المستخدمة وخاصة مفهوم لفظة مجتمع ذاتها

" أن النهضة  الحق تقع في الظاهرة الإجتماعية عبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه المشهور{ لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها }"[19]

المجتمع ليس مجرد مجموعة من الأفراد بل هو تنظيم معين ذو طابع إنساني يتم طبقا لنظام معين ، هذا النظام في خطوطه العريضة يقوم بناء على ما تقدم على عناصر ثلاثة :

1 حركة يتسم بها المجموع الإنساني .

2 وإنتاج لأسباب هذه الحركة

3 تحديد لإتجاهها .

فهذه العوامل الثلاثة التي يدين لها مجمع إنساني معين وبخصائصه الإجتماعية التي تحيله "مجتمعا " بالمعنى المنطقي للكلمة ، والواقع أن فكرة الحركة ، تلك التي تنطبق مع مفهوم التغير والتطور وتعد عنصرا جوهريا في تعريف علم الإجتماع [20].

وفكرة الحركة تساعدنا هنا على التفرقة بين " المجتمع " وسائر أشكال الجماعات الإنسانية التي لا تتصف بما سبق أن أشرنا إليه من خصائص إجتماعية ، ومع ذلك فإن الحركة في علم الإجتماع  تستتبع فكرة ذات قيمتين ، فإن تطور الجماعة يؤدي بها إما إلى شكل راق من أشكال  الحياة الإجتماعية وإما أن يسوقها عكس ذلك إلى وضع متخلف ، وعلى أية حال فإن أمام كل مجتمع غاية ، فهو يندفع في تقدمه إما إلى الحضارة وإما إلى الإنهيار .

      تكسب الجماعة الإنسانية صفة " مجتمع " عندما تشرع في الحركة أي عندما تبدأ في تغيير نفسها من أجل الوصول إلى غايتها ، وهذا يتفق من الوجهة التاريخية مع لحظة إنبثاق حضارة معينة .[21]  

الحضارة عند مالك بن نبي

قال مالك بن نبي " إنني أؤمن بالحضارة على أنها حماية للإنسان لأنها تصنع حاجزا بينه وبين الهمجية "[22]

وجهة نظر مالك بن نبي في مشكلة الحضارة :

لقد ناقش مالك بن نبي فلاسفة الحضارة وفي مقدمتهم توينبي في فكرة نشوء الحضارات ، ووصل بنا إلى نظريته التي أصبحت مشهورة ، وهي أن الحضارة لا تستورد ، وإنما هي عبارة عن إبداع ، وليست تكديسا ولا جمعا لركام من الأشياء ، وإنما هي بناء وتركيب للعناصر الثلاثة الإنسان والزمن والتراب ، وهي من أسس التي تقوم عليه الحضارة وينطلق من وجود الإنسان قابل للتحريك ن والمحاولة المستمرة للنجاح ، ويضاف إليه وجود حدود أو وحدة ترابية أو إقليمية يمكن تأسيس الفعل الحضاري ، إضافة عامل الزمن بصفته عاملا مهما يحدد ناجعة هذا الفعل ، وإستمراريته ، فلكي نقيم حضارة لابد من توفر : الإنسان ، التراب ، الوقت ، ويقابل هذه الشروط محاور ثلاثة لا يمكن القفز عليها أو تجاوزها أو إحداث تقديم أو تأخير فيها وهي  -  تكوين عالم الأشخاص. – تكوين عالم الأفكار – تكوين عالم الأشياء.

والعامل المهم في تركيب الشروط الثلاثة الأول والمحاور المتممة للبناء هو الدين الذي يقوم بدور المزج والتفعيل حسب بن نبي  أو ما عبر عنه بمركب الحضارة  الذي ليس في الإمكان تغييبه أو تهميش دوره فهو ثابت ومؤكد [23].

ويلاحظ بهذا الصدد أن العقيدة الدينية ، هي التي تلعب دور المركب ، فدورة الحضارة إذن تتم على هذا المنوال ، إذ تبدأ حينما تدخل للتاريخ فكرة معينة ، أو يدخل التاريخ مبدأ أخلاقي معين .

ويضرب لنا مالك بن نبي مثلا : بالحضارة الإسلامية التي بلغت أوج إزدهارها  بفضل الدفعة الروحية الخارقة التي مثلها الإسلام ، واستقر هذا التطور بعد معركة صفين ، وبقي ذلك الحال إلى عصر ابن خلدون ، سيطر على هذه المرحلة العقل ، ثم سيطرت بعد ذلك الغريزة ، وبدأ العالم الإسلامي في مرحلة الإنحطاط ويطلق مالك على هذه المرحلة إسم مرحلة الموحدين.[24]

رفض المفكر الإسلامي الجزائري مالك بن نبي العامل الجغرافي كعلّة تامة في نظرية التحدي لنشوء الحضارات، واعتبر الفكرة الدينية هي العمود الأساس للمجتمعات وقيامها أو حسبما يطلق عليه (مركب الحضارة)، ويبدأ خطوته في تشكيل نظريته باقتباس خطوة كيميائية (ومن عادة مالك، بل من إبداعاته أنه سخر كثير من العلوم في رؤاه) فعادة الكيميائي تقوم بتحليل المنتجات التي يريد أن يجري عليها عملية تركيب، فهو وجد أن كل ناتج حضاري ينتهي في تكوينه إلى (تراب وإنسان ووقت)

ناتج حضاري = إنسان + تراب + وقت

ويقرب ذلك (ففي المصباح مثلاً يوجد إنسان خلف العملية العلمية والصناعية التي يعد المصباح ثمرتها؟ والتراب في عناصره من موصل وعازل، وهو يتدخل بعنصره في نشأة الإنسان العضوية، والوقت (مناط) يبرز في جميع العمليات البيولوجية والتكنولوجية، وهو ينتج المصباح بمساعدة العنصرين الأولين: الإنسان والتراب). وبهذا يجد مالك بن نبي أن المجتمعات إذا ما استطاعت أن تحل الإشكاليات التي تواجه الوقت، والإنسان، والتراب، فقد حلت مشكلة الحضارة.. لا مع الركن الأساس الذي نوهنا عليه في قيام نظرية مالك في نشوء الحضارات، وذلك نجده ينطلق من إثارة سؤال يفرضه بن نبي على بحثه لتثبيت خطاه علمياً وفي نفس الإتكاء كيميائياً على أمر مقطوع به في مقرره الكيميائي، وهو أنه إذا كانت الحضارة ناتجاً لمجموع هذه الأشياء الثلاثة؛ فلما لا تظهر حضارات تلقائياً لمجرد توفير تكلم الحدود الثلاثة: فيكون إتكاءه على نتاج الماء كيميائياً من الهيدروجين والأوكسجين، وذلك لا يكون تلقائياً، وإنما يخضع لقانون كيميائي بمشاركة مركب معين من هنا يضع بن نبي مركب الحضارة، فلا بد من وجود مركب يؤثر في المزج والإثمار. وهو الفكرة الدينية أو المركب الديني الذي رافق تركيب كل الحضارات خلال التاريخ فلقد (ولدت المجتمعات التي ما تنفك تسلط حتى هذا الحين انعكاسات حضارتها على الخارطة الجغرافية، وأعني بها: الهندوسية، والبوذية والموسوية والمسيحية والإسلامية، من هذه الإنطلاقة الروحية التي أقامت هياكل (براهما) و(بهوة) ومعابد البوذية والكنائس القوطية والمساجد الإسلامية فلكل هذه الحضارات ـ المعاصرة لنا ـ قد شكلت تركيبها المتألف، في مهد فكرة دينية).

بل امتدت الرؤية حتى مع المجتمعات التي تخلو من الفكرة الدينية، ليفسر نشوء ونمو المجتمع الماركسي بصورة غير مباشرة على أساس الفكر الديني وذلك من خلال بديلاتها أي ما تعطي عوضها وروحها في الدفع الاجتماعي، لذلك يقول: (إذا اقتضى الأمر أن نصدر حكماً بشأن المجتمع الذي هو بصدد التشييد حالياً باتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية، باعتباره شكلاً من الحضارة، نجد أن تكوينه ونموه يفسران بنفس الطريقة (أي الفكرة الدينية)، ومن وجهة النظر التاريخية، يتعين علينا ملاحظة أن الأفكار الماركسية قد استخدمت لنموها واكتمالها على (البنية التحتية) النفسانية والمفاهيمية المسيحية للإنـــساني الذي حول (إنـــجيل ، يسوع المسيح) إلى (إنجيل ، لماركــــس) وجميع المـــطامح التواقة إلى ملكــــوت الرب الإله إلى مـــطامح متشبثة بالفردوس الأرضي.

لا يتفق بن نبي مع ابن خلدون في حتمية وامتناع القيام لدولة ولّت دورتها لأن نهضة الحضارة من كبوتها واستيقاظها من سباتها وسيرها قدماً هو رهين بشروط نفسية، زمنية معينة إذا ما توفرت وتكاملت انطلقت الحضارة من جديد. فالحضارة الإسلامية بما تملكه من مركب (الفكرة الدينية) ذي الأسس العقيدية والإيمانية، قادرة على تجديد حركتها وانتفاضها من جديد، واستعادة كيانها، رغم كل عوامل التحدي، ورغم ما يتعرض وتعرض له العالم الإسلامي من غزوٍ فكري وسياسي واقتصادي.

كيف يمكن إجتماع العناصر الثلاثة ؟.

"عرفنا أن بن بني جعل الفكرة الدينية هي أساس نشوء الحضارة؛ أما دورها في معادلة الحضارة ـ سيما وانه غير ظاهر فيها ـ أنه المركب الذي ببركته يمكن اجتماع العناصر الثلاثة (الإنسان والتراب والوقت) لكن حلوله الأول في المعادلة هو الإنسان، فمع تقبله الفكرة الدينية وحلولها فيه، تبدي تأثيرها في تشكيل هذا الإنسان في إطار روحي آخر يمكن أن نجعله لوناً من ألوان الإرادة، يمكنه معه أن يرتبط مع التراب والوقت في وحدة وانسجام تمثل قمتها في وجود المركب الديني، لذلك فالكيانات التي تكونت بنحو ما كانت في تشكلها وعرضتها للانهيار تتناسب وقدر الفكرة الدينية وبالتالي مقدار الانسجام الذي كونته. فكأنه يملك تناسباً طردياً بين قوة الكيان وحضارته وبين الانسجام المتولد.. أي بين مقدار حلول الفكرة الدينية وما أخذ منها.

إذن بن نبي يعتبر الإنسان محور الفاعلية في حركة الحضارة، فله الدور الأول في المعادلة لأن الإنسان هو الذي يحدد في النهاية، القيمة الاجتماعية لهذه المعادلة، لأن التراب والوقت لا يقومان ـ إذا اقتصر عليهما فحسب ـ بأي تحويل اجتماعي كذلك نراه يقول: "إن الإنسان هو الشرط الأساسي لكل حضارة، وإن الحضارة تؤكد دائماً الشرط الإنساني". إن نشوء الحضارة منوط بإرادة الإنسان الحضارية وهذا لا يشكلها ويولدها أو يهبها إلا إيمان الإنسان بعقيدة تطلب منه خدمة الإنسان في حضارته، وهذا ما تعطيه الفكرة الدينية بأرقى مستوى.

القضية إذن في معادلة بن نبي ليست قضية أدوات ولا إمكانيات، بل القضية في أنفسنا، فعلينا أولاً دراسة الجهاز الاجتماعي الأول أي الإنسان، فإذا تحرك الإنسان تحرك المجتمع والتاريخ، إذا سكن سكن المجتمع والتاريخ، وهذا هو ما أشارته النظرة في تاريخ الإنسان منذ أن بدأ التاريخ، فنرى المجتمع حيناً يزخر بوجود النشاط، وتزدهر فيه الحضارة، وأحياناً نراه ساكناً لا يتحرك يسوده الكساد وتغمره الظلمات، وما هذه المظاهر الاجتماعية غير تعبير عن حركة الإنسان وركوده(، ومن هنا تظهر أزمة العالم الإسلامي، فهي مشكلة الإنسان الذي عزف عن الحركة، لذلك فالمسألة هي أنه يجب أولاً أن يصنع رجالاً يمشون في التاريخ، مستخدمين التراب الوقت والمواهب في بناء أهدافهم الكبرى(، وبما أن الإنسان كما يرى مالك في القرن العشرين يؤثر بثلاثة:

أولاً: بفكره. ثانياً: بعمله. ثالثا: بماله.

لذلك تحلّل مشكلة الإنسان في معادلة الحضارة إلى مشكلة: الثقافة، والعمل ورأس المال.

يعتبر مالك قيمة التراب في المجتمع مستمدة من قيمة مالكيه في إطار قدرتهم على تسخيره فكلما كانت الأمة تملك وعياً وفكراً ناضجاً يعرض لها آفاقاً إبداعية لاستكشاف الطبيعة وإنتاج حاجاتها الاجتماعية في كل قنوات المجتمع بكيانه، يكون حينها التراب ذا قيمة لأنه يؤول إلى شيء ذي قيمة. فكل تراب الخليج العربي قبل قرن من الزمان، لم يكن يملك أدنى قيمة سوى أنه ذرات من الرمال تنتهي به الصحراء.. وهذا يتسق مع الجيل آنذاك وثقافته وقيمته، التي لم تستطع أن تصل إلى ما وصل إليه بعد ذاك حينما جاءه من يعي قيمته فإذا التراب ذهباً أسوداً (النفط)، فالأمر مربوط بالإنسان في فضاءه الثقافي على أن يكتشف قيمة الأشياء التي جعلها الله ـ تعالى ـ فيها، وهنا يتأكد دور الإنسان الرئيسي في معادلة الحضارة لابن بني، ودور الدين من علٍ عليه ويوجهه إلى السيطرة على الطبيعة، فالقرآن والسنة يدعوانه في أكثر من موضع لأن يتحرك من أجل اعتماد هذه العلاقة في تنفيذ متطلبات استخلافه العمراني (أو الحضاري) على الأرض، وهذا لن يتأتى إلا بالنظر العميق في ملكوت السماوات والأرض، والدراسة المتأنية لنواميسه وقوانينه وأسراره، والسعي الدائم وفق الأساليب العلمية، للكشف عن هذه النواميس والقوانين، لتحقيق فهم أكثر لقدرات الله الخلاقة وإيمان أعمق به، ومن اجل استخدام هذه القوانين لتطوير الحياة على الأرض، ومواصلة العمران، وتحقيق مفهوم استخلاف على كل المستويات(22).

أما العنصر الثالث من معادلة مالك وهو الوقت فيبتدأ قبل الدخول في بحثه بحديث شريف في الزمن وهو قول الرسول"صلى الله عليه وآله وسلم" : (ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي: يا بن آدم أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد فاغتنم مني فإني لا أعود.. إلى يوم القيامة) فالزمن يتدفق على السواء في أرض كل شعب، ومجال كل فرد، وهو في مجال ما يصير (ثروة) وفي مجال آخر يتحول عدماً. فهو يجري في الحياة ويرافق تلك الأحداث، ويصب في التاريخ تلك القيم التي منحتها له الأعمال التي أتمت فيه ولكنه على حد تعبيره نهر صامت، حتى أننا ننساه أحياناً في ساعة الغفلة أو نشوة الحظ قيمته التي لا تعوض، ومع ذلك ففي ساعة الخطر في التأريخ تمتزج قيمة الزمن بغريزة المحافظة على البقاء، ففي هذه الساعات كانتفاضات الشعوب، لا يقوم الوقت بمال، كما ينتفي عنه معنى العدم، إنه يصبح جوهر الحياة الذي لا يقدر، فلا يسمع الإنسان صوت الساعات الهاربة، ويدرك قيمتها، إلا في اللحظات الحرجة التي تتناول البقاء والانتصار والخلود والفناء)."[25]

الإستشراق

إن الذرى التي بلغتها العبقرية الإسلامية لتغرقنا في عالم الأحلام ، عندما يذكرنا بها المستشرقون اليوم ، وتخلق فينا مركب النقص عندما ينفونها ، ولمواجهة هذا يجب أن نعود إلى السلم الذي وضعه القرآن أمامنا ، أن العبقرية الإسلامية لا تتمثل فيما خلقته بل الجو الذي أدى بها إلى الخلق .

ولا شك أن للأدب الإستشراقي قيمه العلمية ، وفي بعض الأحيان يكون جديرا بالتقدير ، هذا لم نفصله عن الجانب النفعي والسياسي في إطار الصراع الفكري سواء رضي المستشرقون بذلك أم لم يرضوا

وينتهي مالك بن نبي إلى النتائج التالية:

1         إن المجتمع الذي لا ينتج أفكاره المواجهة لا يمكنه أن ينتج المنتوجات الإستهلاكية و مواد التجهيز ولا يرفع كيان المجتمع ويشيد بأفكار مستوردة أو مفروضة من طرف الإستشراق .

2         يجب علينا في المرحلة الراهنة من نمونا وتطورنا أن نحدد بأنفسنا مواضيع تفكيرنا .

3         يجب علينا أن نهتدي إلى أصالة الفكرية و أن نسترجع إستقلالنا في ميدان الأفكار و الإقتصاد والسياسة .

إن علاقة الإستشراق بالتبشير و الإستعمار والصراع الفكري أصبحت أمور لا يمكن أن يتطرق إليها الشك بأية حل من الأحوال ، فالإستشراق خطوة نحو السيطرة الثقافية والسياسة ولا ننسى حقدهم على الإسلام ، ولا يعني كل هذا بأن ننكر التيار الإيجابي بين المستشرقين ومن يستطيع إنكار الواقع ؟ فالدراسات الإستشراقية مهما كانت موضوعية لا تستطيع أن تحدد مواضيع تفكيرنا و لا أساليب عملنا في المستقبل ، ومن قال هذا آمن بجدوى إستيراد الأفكار والثقافة من الخارج وبالتنصل من شخصيته ، ولسنا هنا بصدد تقييم البحوث التي قدمها المستشرقون ن فعلى الرغم من المآخذ التي يمكن أن توجه إليهم ، نستطيع أن نقول بأنهم قد ساهموا في إحياء التراث العربي الإسلامي القديم ، وأنهم ساهموا في إحداث نهضة شاملة في العالم العربي الإسلامي ، فالنهضة عمل خلاق ، ولذلك فلا يمكن إسترادها .

الشيء الذي نستفيده من المستشرقين غلاتهم ومنصفيهم يتمثل فيما حققوه من تراثنا وفيما جمعوا شتاته وفي النهج الذي إستعملوه في بحوثهم الذي عرف تطورا كبيرا عبر التاريخ و المعتمد في  العلوم الإنسانية . وشيء الذي يبقى علينا أن نفعله هو إختيار مواضيع تفكيرنا بأنفسنا وذلك من أجل ضمان الإستقلال الفكري وتحديد نظرتنا ونظرة أجيالنا الصاعدة إلى التاريخ .            [26]

قضية المرأة :

 " إن قضية المرأة عند مالك بن نبي تندرج ضمن منظومته الفكرية العامة التي حددها في مشكلة الحضارة، بأبعادها الشاملة، السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية. فمشكلة الحضارة عنده قضية لا تتجزأ، وأي تجزيء لها يقود حتمًا إلى طرح المشكلات طرحا خاطئًا، ومن ثم تحديد وسائل خاطئة للعلاج. إن مالكًا يعتبر أن العالم الإسلامي أضاع وقتا طويلا، وجهدا كبيرا بسبب عدم التحديد المنهجي الصحيح للمرض الذي يتألم منه منذ قرون عدة، وذلك عائد إلى التجزيئية التي عزلت القضايا عن بعضها ونظرت إلى كل واحدة على حدة .
من هنا وقف مالك من قضية المرأة موقفه من القضايا الأخرى، وقد أطلق تسمية "مشكلة المرأة" في كتابه "شروط النهضة"، وذلك انسجامًا مع منظومته الفكرية التي تدور حول مشكلة الحضارة عموما من ناحية، وللتدليل على مقدار التضخيم الذي كان من نصيب موضوع المرأة في العالم الإسلامي، سواء من أنصار التحرر الذي يصل بالمرأة إلى درجة التحلل، أم من أنصار التزمت الذي يغلق بصره أمام حقائق الإسلام .
اعتبر مالك بن نبي أن ليس هناك مشكلة للمرأة معزولة عن مشكلة الرجل، فالمشكلة واحدة، هي مشكلة الفرد في المجتمع، فقد حاول الكثيرون، بوحي من الفكر العربي التجزيئي، النظر إلى قضية المرأة كقضية مستقلة، ومن ثم خلقوا معركة مفتعلة بين أفراد المجتمع الواحد، ووضعوا المرأة في مواجهة الرجل، وهذه قمة التجزيئية وتشويه حقيقة الصراع الحضاري، لأنه يضع الزوجة في مواجهة الزوج، والبنت في مواجهة الأب والأخت في مواجهة الأخ وهلم جرا، فيتحول الصراع من صراع المجتمع ضد التخلف الحضاري والاغتراب إلى صراع داخل المجتمع نفسه، مما يلهيه عن التصدي للتحديات في بناء متماسك.
وتقود هذه الطريقة في تشخيص المشكلات وتحديد معالمها إلى منظور كمي، ذلك أن وضع جدار فاصل بين المرأة والرجل يؤدي ضرورة إلى البحث عما يفرق ويجمع بينهما، وبعد ذلك إلى إيجاد ما ينقص المرأة إزاء الرجل، وهل هي أكبر أو أصغر منه، أو تساويه في القيمة . ويعتبر مالك أن هذه الأحكام ما هي إلا افتئات على حقيقة الأمر ومحض افتراء[27].
موقفان ودافع مشترك :
ميز مالك بن نبي بين موقفين متقابلين من قضية المرأة: موقف المتمسكين بإبعاد المرأة عن المجتمع وإبقائها في وضعها التقليدي الذي كرسته التقاليد، وموقف الداعين إلى أن تخرج المرأة في صورة تلفت إليها الغرائز. ورأى أن موقفي هذين الفريقين يصدران عن دافع واحد هو الغريزة. وهذان الموقفان لا يساهمان في حل المشكلة، بل ربما زادا الطين بلة. وإذا كان موقف الداعين إلى التحرر على النمط الغربي واضح الأخطار على المجتمع الإسلامي بسبب ما يؤدي إليه من ترسيخ للتبعية وتبليد للحس الإسلامي وضرب الهوية الخاصة للأمة، فإن الموقف الثاني قد يكون أشد خطرا لأنه يعطي لأعداء الأمة المبررات للخوض في سمعة الإسلام والتشكيك فيه، ويجعل المرأة حين تفكر في الحرية لا تجد أمامها إلا النموذج الغربي الحاضر أمامها.
من أجل ذلك يستبعد مالك هذين الموقفين لأنه "لا أمل لنا أن نجد في آرائهما حلا لمشكلة المرأة" ويقول: (إن إعطاء حقوق المرأة على حساب المجتمع معناه تدهور المجتمع وبالتالي تدهورها، أليست هي عضوا فيه؟ فالقضية ليست قضية فرد، وإنما هي قضية مجتمع) [28].  
خَاتمِة‌‌‌‍



     وبعد ، فإن هذا البحث قد كشف  عن عدة نتائج هامة تؤكد بما لا يدع مجالا للشك  علو  منزلة  مالك بن نبي  في تاريخ  الفكر الإسلامي ، وليس من السهل  تقويم شخصية وأعمال هذا المفكر العبقري ما يزيد عن ثلثي القرن .

  غير أنه  يجدر  بنا أن نؤكد حقيقة جديرة  بالملاحظة  يؤمن بها مالك بن نبي إيمانا راسخا ، هذه الحقيقة  نابعة من فلسفة تاريخ الضمنية التي يدافع عنها وهي فلسفة لا شرقية ولا غربية ، بل هي فلسفة نابعة من القرآن والسنة.

  هذه  فلسفة هي فلسفة  التكافل الإجتماعي  والرغبة في بلوغ المرام مادام الجميع  متساويين في المشهد المبدئي الأساسي ، فالكل يعمل ، والكل ينتج ، والكل يساهم لأن المعركة مشتركة ، معركة  المحافظة على البقاء في غاية من غايات التاريخ أن يسير  بركب التقدم نحو شكل من أشكال  الحياة الراقية ، هو ما نطلق عليه إسم الحضارة .



قائمة المراجع المصادر:

 

1 مالك بن نبي ، شروط النهضة ، ترجمة عمر كامل مقساوي وعبد الصبور شاهين ، دار الفكر ، بيروت ، ط3 ،1968



2 مالك بن نبي ، ميلاد مجتمع ، دار الفكر ، بيروت ، ط3 ، 1986 م



3 خدوسي رابح ، موسوعة العلماء والأدباء الجزائريين ، دار الحضارة ، الجزائر ، ط1 ، 2003م



4 عبادة عبد الطيف ، صفحات مشرقة من فكر مالك بن نبي ، دار الشهاب ، باتنة ، ط1 ، 1984م



5 بشير ضيف الله ، فلسفة الحضارة في فكر مالك بن نبي ،منشورات المجلس الأعلى ،الجزائر، ط1 ،2005م



6 جريدة الشرق، تاريخ النشر : يوم الأربعاء 12 ديسمبر 2007  "الانترنت "



7 مجلة النبأ - العدد 41 - شوال 1420 - كانون الثاني 2000  "الانترنت"



8 من محاضرات الأستاذة ربيح نعيمة 2006-2007.









 




[1] من محاضرات الأستاذة ربيح نعيمة 2006-2007.

[2]  عبادة عبد الطيف ، صفحات مشرقة من فكر مالك بن نبي ، دار الشهاب ، باتنة ، ط1 ، 1984م، ص33.

[3]  خدوسي رابح ، موسوعة العلماء والأدباء الجزائريين ، دار الحضارة ، الجزائر ، ط1 ، 2003م ، ص 18.

[4]  جريدة الشرق، تاريخ النشر : يوم الأربعاء 12 ديسمبر 2007  "الانترنت "

[5] عبادة عبد الطيف ، صفحات مشرقة من فكر مالك بن نبي ، دار الشهاب ، باتنة ، ط1 ، 1984م، ص37

[6]  نفس المرجع السابق ، ص39

[7]  نفس المرجع السابق ، ص 40

[8]  نفس المرجع السابق ، ص41.

[9]  بشير ضيف الله ، فلسفة الحضارة في فكر مالك بن نبي ،منشورات المجلس الأعلى ،الجزائر، ط1 ،2005م ، ص25.

[10] نفس المرجع ، ص26 .

[11]  نفس المرجع السابق ، ص26.

[12]  نفس المرجع السابق ، ص 28.

[13]  نفس المرجع السابق ، ص 28.

[14] نفس المرجع السابق ، ص 36 .

[15] نفس المرجع السابق ، ص89.

[16] نفس المرجع السابق ، ص94

[17]  نفس المرجع السابق ، ص ص104-105.

[18]  نفس المرجع السابق ، ص103.

[19] مالك بن نبي ، ميلاد مجتمع ، دار الفكر ، بيروت ، ط3 ، 1986 م، ص07 .

[20] المرجع السابق ، ص 17.

[21] المرجع السابق ، ص18.

[22] المرجع السابق ، ص 69.

[23] المرجع السابق ، ص 73.

[24] عبادة عبد الطيف ، صفحات مشرقة من فكر مالك بن نبي ، دار الشهاب ، باتنة ، ط1 ، 1984م، ص43.



[25] مجلة النبأ- العدد 41 - شوال 1420 - كانون الثاني 2000  "الانترنت"

[26] عبادة عبد الطيف ، صفحات مشرقة من فكر مالك بن نبي ، دار الشهاب ، باتنة ، ط1 ، 1984م، ص 60.

[27]  مالك بن نبي ، شروط النهضة ، ترجمة عمر كامل مقساوي وعبد الصبور شاهين ، دار الفكر ، بيروت ن ط3 ،1968 ص 174.

[28] نفس المرجع ، ص176
أضافها قرقيط عمر معهد علم الإجتماع الجلفة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://benabbimalek.forumalgerie.net
 
مالك بن نبي الإجتماعي - المركز الجامعي زيان عاشور الجلفة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى مالك بن نبي فيلسوف الحضارة المعاصر :: الفئة الثانية :: ندوات ومحاضرات إلكترونية عن مالك بن نبي-
انتقل الى: